تعلمت حكومة حماس بعد شهور مضنية من دورانها واختناقها في عنق الزجاجة، وانسداد الأفق داخلياً وخارجياً، إن إدارة النظام السياسي للسلطة المنتخبة اصعب واعقد بكثير من إدارة تنظيم سري واقامة ورش بدائية تحت الأرض لصواريخ القسام وتدريب وتثقيف خلايا كان دورها في السابق - ولا يزال ـ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وحماية كوادرها المختفين.

والذين لم ينج كثيرا منهم من الاغتيال والاعتقالات المستمرة. تعلمت حماس عمليا وهي في سدة الحكم إن استلام السلطة في الداخل مسألة اسهل بكثير من إخراج المحتل ومن إقامة سلطة شعبية متوازنة للجميع، سلطة معنية بعلاقات ووشائج معقدة داخليا مع مؤسسات الدولة والمجتمع.

وعلى المستوى الخارجي تشابكت وتعقدت مهماتها ووظيفتها السياسية والدبلوماسية مع مجتمع دولي له خصوصياته وعلاقاته المختلفة تماما عن علاقات حركة سياسية مؤدلجة ضمن حركات التحرر الوطني لا تتعدى ارتباطاتها عن حدود دول ومؤسسات مالية وسياسية معينة تدعمها، بينما الدخول في اللعبة الديمقراطية عبر صناديق الانتخاب، والفوز ديمقراطيا بالمؤسسة التشريعية، لا يعني أن المطاف ينتهي بتلك الصناديق كما هو تعاملها مع صناديق الجمعيات الخيرية والتحرك وفق مستويات أدنى بكثير من سقف إدارة السلطة الانتقالية.

ما شهده العالم خلال تلك الشهور من ورطة داخلية ودولية لحكومة حماس، وتعاطيها مع الشأن المالي عن طريق تحركها العاجل بجلب مبالغ لا يمكن أن تحل المأزق السياسي والاقتصادي لأكثر من فترة وجيزة، حتى وان سمعنا حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعمل على إنقاذ حماس من ورطتها، إذ لم تكن تلك المبالغ المستحصلة من الخارج يومها الا عبارة عن حقنات اصطناعية مؤقتة لإنعاش جسد الحكومة البيروقراطية المنهكة والمنتفخة بمؤسسات أمنية وميليشيات وقطاعات غير منتجة، لا يمكنها أن تساهم في تنشيط الاقتصاد المعزول بحصار محكم وممنهج .

كما اكتشفت حماس بالتجربة العملية أنها وحدها لا يمكن أن تمرر مشاريعها وبرامجها الداخلية بمعزل عن المساعدات والعلاقات الدولية، مساعدات ، مدفوعة الثمن !

والتي تمتلك مفاتيح الضغط المتعددة على حكومة حماس، فقد كان مرهون الأداء السياسي لها بآليات عدة، فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يضخ مساعدات اقتصادية ضخمة لحكومة لا تزال حسب اجندته منظمة إرهابية، حتى وان قبلت بلعبة الاقتراع وصناديق الانتخاب، إيمانا من المجتمع الدولي أن ذلك النهج ـ نهج الشروع في الإجراء الانتخابي ـ كان بمثابة ورقة امتحان وتوريط لحماس بالدخول في فخ الديمقراطية، التي لا يمكن استكمالها سياسيا بلعبة الانتخابات.

وانما لاحقا بالقبول سياسيا التعامل مع إسرائيل كطرف أساسي في الصراع، بل والتعامل مع المجتمع الأوروبي والأميركي باعتبارهما طرفين أساسيين في تلك المعادلة، وهما أيضا حليفان رئيسان لإسرائيل في عملية الضغط، ويلعبان معها تحت مظلة كبيرة، كالمعاهدات السابقة التي أبرمتها منظمة التحرير مع إسرائيل ومسألة استمرار التفاوض وفق الآلية الدولية كجهة شرعية.

حيث لا يمكن أن تتخطى حماس مفارقة ذلك - البراكسيس السياسي - بأن الخصم الذي لا تعترف به هو أيضا الخصم الذي ينبغي التفاوض معه، فهناك ثنائية في الحوار والصراع، ثنائية براغماتية، بأن الذين لا يقفون بالضرورة معنا هم طرف لا يمكن إلا التعامل معه طالما كنا ضمن بنية العائلة الدولية والمجتمع الإنساني.

لهذا وقعت حماس في الأزمة السياسية والاختناق الاقتصادي، إلى حد أن وجدت نفسها في حمى صدام الرواتب من قبل ثم توالت الاشتباكات المسلحة والاقتحامات وأخيراً، الاحتجاجات التي أفرزتها حالة التجويع البطيء، كلها كانت تدفع نحو التأزم وتصاعد الاشتباك السياسي داخليا.

وهذا ما كانت ترغب الدول المانحة الوصول إليه، بدفع حركة حماس للقبول بحكومة وطنية تترك فيها شأن التفاوض الخارجي لها وانزواء حماس بخدمات المجتمع الداخلية - بعد توفير الأموال ـ، دون الاقتراب تماما نحو الهيمنة المطلقة على مفاتيح أساسية في البيت الفلسطيني، كالأجهزة الأمنية .

ولكن دون الالتزام بالشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية في شهر يناير 2006 والمتعلقة بنبذ العنف والاعتراف بإسرائيل واحترام الاتفاقات السابقة، فإن تدفق المساعدات المالية لن تصل إلى السلطة الفلسطينية حتى وان تراخت حماس وتنازلت لحكومة الوحدة الوطنية في مفاصل مهمة كتخويلها بالتفاوض، فالمهم، ليس التوافق الداخلي عبر الميثاق والتعددية السياسية وغيرها من القرارات، وإنما أن يقبل كل الأطراف في تلك الحكومة انتهاج برنامج سياسي واحد لا يتناقض مع برامجها التنظيمية في أهم نقطة جوهرية .

وهو مسألة الاعتراف بإسرائيل وما يترتب عليها من قضايا أخرى، فلا يمكن أن تمارس حماس سياسة ازدواجية ومعايير التقنع بوجهين متنافرين، قناع يقبل بالاعتراف ضمن حكومة الوحدة الوطنية، وقناع يرفضها ضمن حركته قد لا ينسجمان لدى اللجنة الرباعية، محاولة حركة حماس وقيادتها في المستقبل القريب، أن لا تجد نفسها في حالة انشقاق داخلي بين تيار الصقور والحمائم .

وإذا ما وجدت حماس أن مخرجها من مأزق إدارة الحكومة بمفردها هو القبول بحكومة وحدة وطنية، فإن مأزقها من الاعتراف بإسرائيل سيكون فادحا داخل الحركة .

وأمام حركة حماس ثلاثة خيارات:

اما الخروج كلية من المقاومة والرضوخ بصيغة حكومة الوحدة الوطنية دون حاجتها للاعتراف بإسرائيل للحفاظ على وحدتها التنظيمية .

ثانيا ـ أو الخروج من حكومة الوحدة كلاعب أساسي والقبول بدور المعارضة الإيجابية في الساحة الداخلية الفلسطينية تجنبا من إدخال الشعب الفلسطيني في دائرة العزلة الدولية مع رفضها الاعتراف بإسرائيل كما هي حركة الجهاد الإسلامي.

وثالثا، القبول بصيغة كاملة داخل حكومة الوحدة الوطنية، بالشروع للتمهيد للاعتراف كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية وبذلك تتخلص من الازدواجية والتناقضات بين الأداء في الداخل والأداء الخارجي، إذ بالاعتراف لا تمنح حركة فتح كل مفاتيح السلطة القادمة.

حيث تلجم حماس استشراء الفساد، الذي ورثته المنظمة في الخارج ونقلته معها للداخل، فعلى الأقل بإمكانها بعد الاعتراف تقاسم السلطة دون معوقات دولية، انطلاقا من الاستحقاقات النضالية والوطنية . من أزمة الحصار تعلم الفلسطينيون دروسا كثيرة، بما فيها أن صواريخ القسام لا تصنع خبزا .

كاتب بحريني