النغمة المفتاحية في البيان الختامي لقمة دول عدم الانحياز تتمثل في عبارة «رفض عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة».
إنه لقول فصل. ولكن هل من سبيل لهذه المجموعة المفترض أن تمثل شعوب العالم الثالث لتحويل هذا الرفض الجماعي اللفظي من دائرة القول إلى دائرة الفعل الجماعي في ساحة الصراع الدولي؟
«حركة عدم الانحياز» لا تختلف جوهرياً عن جامعة الدول العربية و«الاتحاد الإفريقي» و«منظمة المؤتمر الإسلامي»، فأغلبية الدول الأعضاء في أي من هذه المنظمات خاضعة فعلاً للهيمنة الأميركية، وإن بدرجات متفاوتة.
ورغم أن هذا الخضوع يتجسد في استسلام أنظمة حاكمة تضع نفسها في خدمة الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة إلا إن هذا الاستسلام ما كان ليطول أمده لمدى عقود زمنية متصلة لولا أنه يعكس مواتاً شعبياً، فما هو السبيل الأمثل للتحرر من الهيمنة الأميركية؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف أربعينات القرن الماضي وحتى اليوم يحدث تغيير سلطوي في بلدان العالم الثالث بواسطة حركات انقلابية عسكرية. ولكن ثبت من خلال التجارب المعاشة أن الهاجس الأعظم للأنظمة الانقلابية هو تأمين النظام نفسه وضمان الأمان الشخصي لرموزه أكثر منه تطبيق الشعارات الإصلاحية التي من أجلها جرى الاستيلاء على السلطة قسرا.
التغيير الإيجابي المستدام لا يتحقق عن طريق انقلاب فوقي فجائي، وإنما ينبع من القاعدة الشعبية.
تصبح المعادلة إذن كما يلي: لن يتسنى لحركة عدم الانحياز التصدي بفاعلية للهيمنة الأميركية على عالم اليوم إلا إذا توحدت دول هذه المنظمة أو غالبيتها ضمن جبهة عريضة. لكن لن يكون بوسع الحركة أن تنشئ جبهة راديكالية طالما أن غالبية الدول الأعضاء تعتبر الولايات المتحدة حليفاً أو صديقاً.
والشرط الأساسي للتوحد هو أن تتبلور قناعة عامة لدى كل شعب من شعوب العالم الثالث أن الهيمنة الأميركية هي التي تكبح طموحاته نحو حياة أفضل، ومن ثم تتبلور قناعة مشتركة بين هذه الشعوب كافة بأن مشاكلها في ظل الاستعمار الأميركي الحديث متماثلة تماماً.
فانهيار الخدمات التعليمية والصحية وانتشار البطالة بين الشباب ظواهر مشتركة بين بلدان أميركا اللاتينية وإفريقيا ومعظم دول آسيا. والقاسم المشترك بينها من حيث الأسباب الجذرية يتمثل في الشروط التي يفرضها على الأنظمة الحاكمة «صندوق النقد الدولي» الذراع المالية للولايات المتحدة.
لقد ظنت القيادات الوطنية في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية أنها حققت لبلدانها استقلالاً من خلال حركات نضالية ضد قوى الاستعمار الأوروبي التقليدي. لكن سرعان ما اتضح أن زوال الاستعمار التقليدي كان إيذاناً ببداية استعمار جديد، يستخدم أدوات القهر القتالي المكشوف بقدر ما يستخدم وسائل الحرب الاقتصادية والغزو الثقافي، وهو استعمار يضاعف من خطورته تحالفه مع الحركة الصهيونية العالمية.
مع هذا كله لا ينبغي أن ينظر إلى حركة عدم الانحياز بعين اليأس النهائي. فقد تكونت داخل الحركة نواة لجبهة رفض موحدة في عدد من الدول ذات الثقل التي برهنت مؤخراً أن لديها قدرة على الصمود في مواجهة الهيمنة العالمية الأميركية، مما يبعث بصيصاً من الأمل بأن حجم هذه الجبهة سيتنامى رويداً. والغد أفضل من اليوم.