ماذا بقي من عدم الانحياز؟ مجرد ذكريات وأصداء للحرب الباردة، وزوال زعامات التأسيس، ومجيء أخرى منحازة لمصالح بلدانها، لكنها لا تريد فتح معارك لصالح بقايا اليسار القديم ضد الغرب، طالما المسائل المتفجرة بين غرب وشرق، تحولت إلى مواقع لا ترفع بها شعارات الموت للغرب الامبريالي، وال (يعيش )الشرق الديمقراطي الاشتراكي، لأن تلك التقسيمات زالت بواقع فشل الشيوعية وتنمر الرأسمالية الأميركية التي غلفتها بعلمانية هلامية اتضحت فيما بعد ملامحها، بأنها اتجاه لهيمنة جديدة بوسائل تكتلات اقتصادية لا تراعي حقوق الشعوب الأخرى وتطلعاتها..

مؤتمر دول عدم الانحياز، أصبح فلكلوراً تقاس به عواطف الدول المقهورة، وحتى المتطلعة للتنمية ونجحت بها، لكنه مؤتمر يشابه برلماناً عالمياً تلقى فيه الخطب وتوضع التوصيات، ولكنه بلا فاعلية، حيث معظم الدول الأعضاء تمثل اتجاهات لا تلتقي على الرفض والقبول لما تحركه السياسات العالمية، لكنها لا تجد خطوة ما توفر حلولاً يفرضها هذا التجمع الكبير.

فموسكو عاصمة الخصومة الماضية مع الغرب الرأسمالي دخلت ناديهم ومنهج اقتصادهم وتوجههم السياسي، ولم تعد تتذكر من الشيوعية إلا بعض الرموز التي خلفتها مراحل تلك الحكومات التي قادها الحزب، وليس لها أي علاقة بكوبا، أو كوريا الشمالية إلا ما يتم توظيفه لمصالحها السياسية لا الأيدلوجية.

والصين التي اعتمدت الخط (الماوي) المتشدد، والمنحرف عن شيوعية لينين وستالين، أبقت الشكل في الحكومة، واعتمدت المضمون الرأسمالي في بنيتها الاقتصادية ولم تعد ترفع شعار ثورة الفلاحين مقابل العمال، لأن ذلك انطوى أو أفل في أرقام معدلات التنمية التي سبقت كل العالم.

دول العالم الثالث شعرت بأن التبعية للرأسمالية الغربية، أو الاشتراكية الشيوعية، كانت خطيئتها الكبرى، ولذلك صارت تبحث عن أطر تنتمي إلى جذورها التاريخية، ولم يعد للأحلاف أي قيمة، عندما أصبحت استنزافاً لإشاعة الحروب بالنيابة، وخلق عداوات مع منهجية لا يرتبطان بحياتها ومضاعفة مواردها، ورفع سقف تنميتها البشرية.

وعند هذه النقطة بالذات جاء سيادة الرأسمالية بشرقيتها وغربيتها لتكون الطريق الذي يبحث عنه كل شعب وسلطة يريدان الاستفادة من منافع تدفق السلع والكفاءات البشرية، والاستثمارات المادية، وقد صعدت آسيا لتكون النموذج المحتذى للعالم كله.

فالتنانين، التي كانت إما مستعمرة، أو ملتصقة بأيدلوجية شرقية، رفعت مستوى تعليمها وانتاجها لتنتقل المنافسة بين حضارة غربية بذراعيها الأوروبي، والأميركي إلى آسيا الكبرى، التي بدأت مع اليابان النموذج الناجح لتصعد بقية الدول إلى ذات الاتجاهات والنجاح السريع، ثم جاءت الهند والصين لتكونا القوة الأهم وقد تركت آسيا العقائد الشمولية وعواطف دول عدم الانحياز إلى أرقام التنمية المتسارعة بدلاً من أصوات الحناجر التي ضاعت بالسراب.