نشرت «جلف نيوز» منذ يومين تقريراً تحت عنوان «الوحيد في الزحام» تناولت فيه الكاتبة منال الافرنجي موضوع الاندماج الثقافي في دبي بين المواطنين والوافدين وسلطت الكاتبة في تقريرها الضوء على «العنصرية» معتبرة أنها عالية في دبي حيث تتحكم الجنسية بمستوى أجور الموظفين والتعامل معهم.

وكان الملفت بشكل أكبر في هذا التقرير تأييد الوافدين لما ذهب إليه التقرير حول وجود «العنصرية» في الوظائف بالإضافة إلى اتهام بعضهم مواطني الدولة بأنهم غير قادرين على الانسجام مع الآخرين!

«العنصرية» التي تحدث عنها التقرير والتي دارت حولها نقاشات من أدلوا بآرائهم فيه، ربما أغفلها التقرير باعتبارها قضية عالمية تعاني منها أكبر وأكثر دول العالم تقدماً، فهي في البداية والنهاية ليست قضية حصرية على مجتمع دبي فيما لو وجدت هذه العنصرية، وفيما لو سعت الحكومة والمؤسسات الرسمية لتعزيزها.

إن الموضوع الذي ينبغي التوقف عنده عند الحديث عن «العنصرية» في الوظائف هو موضوع القطاع الخاص في الدولة ومدى إسهامه تحديداً في اذكاء الفروق في الوظائف بين جنسية وأخرى. لكنه يدرك أن القطاع الخاص اتخذ لنفسه طريقة في تصنيف الوظائف، وطريقته قائمة بلا شك على التكتلات العنصرية بدليل سيطرة بعض الجنسيات على قطاعات بعينها، وسعيهم لاستبعاد المواطنين قبل غيرهم من العمل في هذه القطاعات.

في حين إذا نظرنا إلى القطاع الحكومي فسنجد أنه حرص منذ البدايات على التنوع في جنسيات موظفيه، وحرص على منحهم الامتيازات والحوافز التي تتناسب وطبيعة عمل الموظف، الأمر الذي يؤكد أن العنصرية إن وجدت في الوظائف فهي غالباً ما ستكون في القطاع الخاص الذي تحكمه الشركات الأجنبية والعاملون فيه من الوافدين.

كما لا يفوتنا في هذا الشأن أن نشير إلى توجه كبرى الشركات الخاصة وشبه الحكومية في الدولة التي أنشئت خلال السنوات الماضية الأخيرة لتوحيد رواتب موظفيها وإخضاعها لدرجات وظيفية دون وضع اعتبار للجنسية، مقابل الاهتمام بمؤهلات الموظف وخبراته وكفاءته الأمر الذي يؤكد أن التمييز في الوظائف أمر نسبي لا يمكن تعميمه.

هذا بالنسبة للحديث عن العنصرية في الوظائف الذي نرى أن الوافدين أنفسهم قد أسهموا فيه وعززوه، الأمر الذي ينبغي ألا يجعلهم يرجعون تلك العنصرية إلى دبي بقدر إرجاعها إلى أفراد عززوها بشكل مباشر أو حتى غير مباشر. أما الموضوع الآخر الذي اهتم به التقرير وجمع آراء مواطنين ووافدين حوله، فهو موضوع قلة المواطنين في الدولة وعدم مشاهدتهم، بالإضافة إلى اتهامهم بعدم القدرة على الاندماج مع الآخرين الأمر الذي يجعل بعضهم يتهم دبي بكونها ليست بوتقة للاندماج الثقافي.

الأمر الأول وهو قلة عدد المواطنين فنحن نتفق مع الوافدين تماماً لأنه واقعنا، فالمواطنون لا يمثلون في عدد السكان أكثر من 21% ولسنا بحاجة لأن نستدل بأرقام واحصاءات على ذلك، إذ يكفينا ما نراه في الأسواق والشوارع والمراكز التجارية لنعرف كم مواطنا بين مئة أو ألف وافد. ومع قلة عدد المواطنين وضياع هويتهم وسط هذا الخليط الثقافي الذي تنتمي له مئتي جنسية من مختلف دول العالم، الا ان المواطنين أثبتوا أكثر من أي شعب آخر قدرتهم على الاندماج مع ثقافات مختلفة.

ولو لم يكن الأمر كذلك لما استطاعت دبي اجتذاب مئات الشركات الأجنبية للعمل فيها، وما استطاعت ان تحظى بالأمن والاستقرار الذي نتج عن هذا الاندماج الذي نراه بين شعوب مختلفة في بقعة واحدة لا تكاد ترى بالعين المجردة على خارطة العالم. ولولا هذا الاندماج الثقافي لأصبح التنافر سمة للعلاقات بين الأفراد الذين يقيمون في دبي.

لسنا هنا في مقام الدفاع عن دبي، لكننا نأمل ان ينظر الوافدون إلى الأمور بنظرة موضوعية لا تنتقص جهود هذه الإمارة التي تسعى للعالمية وتسخر كل ما بوسعها لتحقيق ذلك من جانب، وبنظرة موضوعية لا تسيء فهم مواطني هذه الإمارة، فهم وان كانوا أقلية إلا أنهم حقيقة يعانون من هذا الانفتاح الثقافي أكثر من غيرهم ومع ذلك يحتملون. أليس الأجنبي أو الوافد هو من ينافس المواطن على فرص العمل؟

أليس الأجنبي هو من يحظى بشقق وفلل سكنية يمتلكها مقابل مواطن ينتظر سنوات ليحصل على ذلك؟ أليست دبي هي الإمارة التي فتحت أبوابها لهؤلاء الوافدين الذين أصبحوا أكثرية مقابل مواطنين لم يعودوا سوى أقلية؟

المواطن للأسف الشديد لا يشكو ولا يتهم أحدا بالعنصرية رغم أنه يعاني ويعامل في كثير من الأحيان بعنصرية شديدة وهو في وطنه لدرجة أنه يشعر بأنه ليس في بلده حقاً!وعندما يفتح فمه معبراً عن رأيه عن الوجود الأجنبي الذي يحظى بأكثر مما يحظى به توجه أصابع الاتهام إليه بأنه «عنصري».

وهو ليس كذلك، لأن ما يفعله لا يتعدى دفاعاً عن حقوقه ودفاعا عن امتيازات سلبت منه في العمل والفرص والثروة والامتيازات لصالح الأجانب الذين يتذمرون بعد كل ما حصلوا عليه ويصفون مجتمعنا بأنه يفتقد للاندماج الثقافي، ويعاني من «العنصرية» فيا ترى أي اندماج ثقافي يبحث عنه الأجانب وقد تجاوز لدينا أي اندماج في بلد آخر؟

maysaghadeer@yahoo.com