يا لسهولة النسيان في ما تبقى من العقل العربي الجمعي ويا لكثرة الهوان فيه وقلة الرجال وسرعة قلب صفحات الزمان والمكان وصاحبهما الإنسان رغم تراكم المحن والأهوال. نسيان الهوان من أكبر مصائب صاحبنا الإنسان وإذا ما اعتاد وعود أنجاله عليه فعلى الدنيا السلام لأنه يكون حينها في حضرة آخر الأيام، التي ليس فيها لتحليل دنيوي أن يفسر ما يحدث بين ظهراني العرب والعربان.

لكن قد يقول قائل: وما العيب في أن تطوى صفحات الماضي من الأيام؟ وقد تتابع الأسئلة وتجر بعضها بعضاً ويضيف: أليست هذه سنة الحياة وطبيعة الطبائع التي دأب عليها بنو البشر منذ الأزل ومنذ أن أصبح للعقل عندهم مكان؟

صحيح أن الجميع يوافقه الرأي في أن هذه هي طبيعة الأشياء، لكن يفترض بالجميع أيضاً أن يخالفوا هذا الرأي حين يتعلق الأمر بعجلة التاريخ الدائرة بلا هوادة والمشهد نفسه يتكرر أمام أعين أجيال تلو أجيال.

هذا المشهد بسيط ليس للتعقيد فيه مكان ولا يمكن أخذه في الحسبان: الرجل الأبيض يحذوه بريق الذهب، يحاول منذ فجر التاريخ سرقة مقدرات الغير تارة والثأر والانتقام تارة أخرى، علماً بأنه لا يخص منطقتنا العربية في مسعاه هذا سوى من حيث حجم وشدة الجشع القابع في مخيلته الجمعية حيال هذه المنطقة إذ أنه لم يوفر أي شعب آخر على طول الكرة الأرضية وعرضها.

مشهد يمكن تقسيمه إلى حلقات ثلاث لا انفصام في عراها، تمثلت الأولى منها في الحملة الصليبية ضد المنطقة العربية وشعوبها وباءت بالفشل مرحلياً والثانية في الحملة الاستعمارية الأوروبية التي تقاسمت المنطقة العربية وشعوبها أيضاً كجزء من «حق» الرجل الأبيض في التركة، التي خلفها الرجل العثماني السقيم، أما المرحلة الثالثة فلقد تمثلت في ما بات يعرف بالاستعمار الحديث والذي لا يختلف عن نظيره القديم إلا من حيث المظهر، فهو يعتدي عليك ويسرقك أيضاً، لكن باسم الحضارة والتقدم هذه المرة.

ولاشك أن منطقة الشرق الأوسط بالذات هي نقطة الارتكاز المحورية في ذلك المشهد مجتمعاً أو في كل حلقة من حلقاته منفردة. فالحملة الصليبية في طورها الأول خلال العصور الوسطى تركزت على مدينة القدس وما حولها وتمكنت من السيطرة عليها لزمن حتى تم استرجاعها على يد صلاح الدين الأيوبي. كما تركزت في طورها الثاني على فلسطين، التي لم تتخل عنها سلطات الانتداب البريطاني إلا بعد أن مكنت زمرة من يهود الغرب الحاقدين من إقامة دولتهم العبرية على أرض الشعب الفلسطيني التاريخية.

أما في طور الحملة الصليبية الثالثة والتي ما زلنا كشعوب عربية ندفع ثمنها جيلاً تلو آخر حتى يومنا هذا، فان المشهد لا يختلف البتة إلا في التفاصيل، فاللون الأحمر القاني هو الطاغي في جميع الأحوال، ولو اختلفت الأداة أو تشعبت عناصرها الوظيفية، التي يمثل بعض الأنظمة المحلية موضع القلب فيها، والتي من دونها ما كان لشيء مما تشهده أن يرى النور مطلقاً.

ومثلما هو الحال في أي حملة عسكرية، فان الحملة الصليبية بحاجة إلى لافتة أخلاقية أو قصة ساترة تحاول من خلالها الولوج إلى قلوب وعقول من تستهدفهم الحملة ذاتها.

تلك اللافتة أو القصة الساترة كانت ترفع في السابق راية «المثل والقيم والمبادئ» الغربية وتطرح شعارات كالديمقراطية والحرية، أي أنها كانت تعتمد على منتوجها الخاص من القيم الأخلاقية، التي «يتعين» على باقي الشعوب أن تتبناها كي تخرج من غياهب ظلماتها، من منظور الرجل الأبيض طبعاً.

لكن يبدو أن تلك الراية قد تبدلت وتبددت في الآونة الأخيرة وباتت تتعامل مع «عيوب ونواقص» مجموعة القيم الأخلاقية الخاصة بمجموع المستهدفين من تلك الحملة. فالمطلوب الآن لا يقتصر على الاندماج في منظومة الرجل الأبيض الفكرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والدعائية... الخ فحسب.

وإنما أيضاً المنظومة القيمية وإلغاء أي ذات خدمة لمصالح ذلك الغرب، الذي يبدو أنه نحى جميع خلافاته واختلافاته القيمية التاريخية وعقد العزم على خوض آخر الحروب مستهدفا هذه المرة المنظومة القيمية لدى الشعوب الأخرى، مؤكدا بذلك على أن النهج الفكري الذي يعتمده إنما يقوم على نظريات بالية من نوع «نهاية التاريخ» التي نادى بها فوكوياما و«صراع الحضارات»، التي وضعها هنتنغتون.