مرت الذكرى الخامسة لاعتداءات (11/9/2001) واستعاد الأميركيون الذكريات الحزينة ووقفوا حداداً على أرواح الـ (3000) ضحية من كل دين وجنس ولون، ووضع أقارب الضحايا أكاليل الزهور وسط البكاء والدموع وهم يستذكرون أحباءهم الذين سقطوا من غير جريرة.

وفي هذه المناسبة ألقى الرئيس بوش العديد من الخطب، دافع فيها عن سياسته وبخاصة في العراق، معترفاً بحصول أخطاء، لكنه ربط الأمن الأميركي بنتيجة معارك بغداد، وحذر الأميركيين من أن الحرب على الإرهاب لم تنته، مجدداً عزمه على مطاردة الإرهابيين ومهدداً (ابن لادن) بأنه سيقبض عليه ويقدمه للعدالة مهما طال اختباؤه.

لعلنا نتذكر أن هجمات سبتمبر كانت حادثة مفصلية في تاريخ أميركا والعالم، هزت أميركا كما لم يحصل من قبل منذ كارثة (بيرل هاربر) قبل 60 عاماً. لقد غيرت فاجعة سبتمبر أميركا ـ حكومة وشعباً ورئيساً ـ وغيرت نظرة الأميركيين للعالم طبقاً لبوش الذي صرح بأن نظرته للعالم تغيرت جذرياً يوم 11 سبتمبر.

ووجدت هذه الكارثة الشعب الأميركي خلف رئيسه، مفوضينه اتخاذ كل ما يلزم لتعقب الجناة ومن يأويهم ومعاقبتهم ـ انتقاماً للكرامة الجريحة ـ تغيرت سياسة أميركا التي استمرت عليها أكثر من 70 سنة والقائمة على دعم وحماية الأنظمة القائمة من أجل استدامة الاستقرار إلى سياسة نقيضة تهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة في المنطقة باعتبارها المسؤولة عن افراز هؤلاء الجناة.

وكان من تداعيات زلزال سبتمبر أن انطلق المارد الأميركي ليزلزل العالم كله، فدمر دولة طالبان وشتت شمل القاعدة وشرد زعيمها ولاحق فلولهما في كل مكان، ثم عمد إلى العراق فدك نظامها القمعي الذي جثم 30 سنة على صدور العراقيين ولم يكتف بما تحقق بل صعد ضغوطه على دول المنطقة بهدف إدخال إصلاحات سياسية واجتماعية وثقافية رأت أميركا أن غيابها هيأ المناخ الملائم لنمو الإرهاب. تغير العالم وتغيرت المنطقة وتغيرت أميركا بعد 11/9 كما لم يحصل عبر قرن.

دعونا نتساءل الآن: هل كان زعيم القاعدة مدركاً حجم وأبعاد النتائج المترتبة على إدماء أنف المارد الأميركي وفي عقر داره، أم أنه لم يتوقعه كما لم يتوقع السيد حسن نصر الله حجم الرد الإسرائيلي؟! قطعاً لم يكن ذلك وارداً عنده وإلا كيف يضحي بالملاذ الآمن؟! كيف يرضى بخسرانه الدولة ـ الحلم ـ دولة الخلافة التي طبقت الشريعة لأول مرة حسب مفهومه؟!

كيف يرضى أن يعيش مشرداً وأتباعه مكبلين بالأصفاد في أقفاص (غوانتانامو)؟!هناك تساؤل آخر مهم طرحه عبدالرحمن الراشد ماذا لو لم تحصل اعتداءات سبتمبر، هل كان العالم وأميركا أكثر أمناً؟! مناسبة هذا السؤال، هي كثرة الحديث عن فشل أميركا في محاربة الإرهاب بحجة أن العالم أصبح أقل أمناً؟! وهو حديث يقوم على مغالطة كبيرة تخدم التوجه الإرهابي. يفند عبدالرحمن الراشد هذه المغالطة فيقول:

مازلت أجزم أن أحداث (11/9) في الواقع أنقذت دول المنطقة من أن تستفرد بها (القاعدة). السبب أن تلك الهجمات جرت أميركا إلى حرب يخطط لها، فأعفت ما لا يقل عن (5) دول عربية من المواجهة المنفردة... تصوروا (القاعدة) بمعسكراتها وجيش من المقاتلين لا يقل عن 5 آلاف، مدربين على القتال بهدف الموت، واستهدفوا كل دولة عربية، من المتوقع أن يقدروا على تخريب أي جهة يستهدفونها، معظم هؤلاء دفنوا أو شردوا أو اعتقلوا في حرب أفغانستان.

وما كان بمقدرة الحكومات العربية على فعل ما ألحقته الأجهزة الأميركية بالقاعدة وهو أكبر مما نتصوره، بدءاً بالحرب على طالبان وانتهاء بتجنيد دول العالم للركض وراء التنظيم الدولي وتجريده من التمويل وتضيق الخناق عليه وحصره في المناطق الحدودية، وهذا لا يعني أن القاعدة قضي عليها كونها تنظيماً سرياً وعقائدياً لكن المؤكد أنها خسرت أكثر قدراتها وأرضها ونظامها.

وإذا كان العالم أصبح أقل أمناً فهذا مسؤولية حكوماته، ولكن أميركا ـ قطعاً ـ أصبحت أكثر أمناً. والمصالح الأميركية في العالم أكثر أمناً وانتشاراً ونفوذاً. ولم تستطع القاعدة رغم مخططاتها عبر 5 سنوات غزو أميركا.

وصحيح أن القاعدة نجحت في عولمة (الإرهاب) ولكن الصحيح ـ أيضاً ـ أن العالم أصبح متحداً ضدها، مستيقظا لمخططاتها، ولعل إحباط الهجوم الإرهابي الأخير الذي استهدف السفارة الأميركية في دمشق دليل فشل جديد للقاعدة وتأكيد التزام الدول في المناهضة للسياسة الأميركية بمكافحة الإرهاب ومن هنا كان الامتنان الأميركي لدمشق كبيراً وتمنياتها بالتحالف مع سوريا قوياً.

وحسب الإحصائيات، أحبطت أميركا (8) مخططات واعتقلت 14 من كبار قادة القاعدة (خالد شيخ، حنبلي، ابن الشيبة، أبو زبيدة) وقتلت أكثر من (5000) منهم وصحيح الفكر المتطرف قد انتشر وثقافة التطرف أصبح لها منظورها في الفضائيات ومازالت البيئة المجتمعية الحاضنة للتطرف قوية كما أن الأرضية الفكرية والاجتماعية التي أنجبت القاعدة وبقبة الجماعات المتشددة مازالت فاعلة إلا أنها تحت المراقبة والسيطرة ثم إذا كان الفكر الإرهابي لا يزال يجد قبولاً لدى شبابنا .

وقد يستهويهم فذلك مسؤوليتنا لا مسؤولية أميركا، ودليل فشلنا لا فشل أميركا. فشل دعاتنا ومشايخنا في تحصين شبابنا ضد فيروسات التطرف، بسبب بؤس خطابنا الديني والتربوي والتثقيفي والإعلامي، وبسبب المناهج التلقينية الأحادية المتحيزة ضد قيم التسامح والحرية وكرامة الإنسان.

لقد أصبح دم المواطن العربي رخيصاً لدرجة أن 50 يمنياً يداسون حتى الموت في مهرجان خطابي ولا يستقيل مسؤول واحد وتذهب دماؤهم هدراً!! إن فشلنا في مكافحة فكر التطرف ما هو إلا انعكاس صادق لإخفاق المجتمع العربي في الميادين المفصلية الأربعة: التعليم والتربية والتثقيف والإعلام.

ولن يستطيع الفكر الديني التربوي الذي نغذي به شبابنا أن ينفتح على معطيات العصر ـ أخذاً وعطاء ـ إلا إذا تجاوز العقدة الأساسية الكامنة فيه وهي عقدة «الهواجس المرضية من عدائية الغرب لنا» وهذا ما يجعل شبابنا ـ دون شباب العالم ـ في حالة توتر دائم وقلق مرض تجاه العالم والحضارة المعاصرة فيندفع بعضهم إلى سلوكيات مهلكة ظناً أنها «مهاد» و«استشهاد»!!

بعد 5 سنوات على الهجمات، المسلمون يتدفقون على أميركا جرياً وراء العمل والحرية وقد أصبحوا أقل تأييداً للقاعدة وأشد عزماً في مكافحة الإرهاب ودولنا أصبحت أكثر تحالفاً مع أميركا. ويكفي أن يقول مفكر وسياسي ديني كبير مناهض للسياسة الأميركية، الرئيس خاتمي: انتحاريو سبتمبر لن يدخلوا الجنة.

كاتب قطري