ان الإنسان يبحث دائما عن الاستقرار وعن الأمن والأمان، وهي حقيقة دائمة في كل المجتمعات سواء في العصور الغابرة او العصر الحديث ولعل الفكر الإنساني في كل المراحل هو انعكاس لهذه الرغبة.

فالإنسان دائما يخشى من الغيب او من المستقبل ويظل هاجسه الأساسي هو البحث عن قوانين او أعراف تحقق لذاته الأمان، ولذلك فإن التاريخ المكتوب وغيره ما هو إلا تدوين حول البحث عن الاستقرار. الى ذلك يذهب معظم مفكري البشرية للبحث عن العدالة والمساواة والحرية.

ان ذلك الثالوث هو محور التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي وخاصة في القرون الخمسة الأخيرة من عمر البشرية. ولعل اللحظات الفاصلة في تطور المجتمعات قد مرت بتلك المفاصل المهمة من عمر البشر. وان اتخذت أشكالا مختلفة من ردة الفعل التي تختلف في حدتها أو سلاستها فهي شكل من أشكال تدفق الماء، فقد يكون سلساً بسيطا او قد يكون على شكل شلال لا يمكن مقاومته، وفي أحيان أخرى يجمع بين الاثنين معا.

وفي هذا المجال ظل النقاش قويا بين العديد من القوى الاقتصادية والاجتماعية، إلا ان الجامع بينها هو البعد السياسي حيث ان السياسة هي التي تحدد ملامح المجتمعات منذ بداية الوعي بما أطلق عليه العقد الاجتماعي حتى هذه اللحظة من تاريخ الإنسان على الأرض، مرورا بما اتفق عليه بتقسيم العمل وأيضا الأدوار.

وقد مرت المجتمعات البشرية بمراحل عديدة من التطورات وأحيانا بالثورات التي تدعو الى التغير الجذري في مراحلها المختلفة، إلا ان الجامع بين التطور والثورة هو الدعوة الى إحداث التوازن بين مختلف أطياف البناء الاجتماعي. إلا ان ذلك التحول بأشكاله المختلفة هو الذي ادى الى إيجاد آليات مختلفة للتطور والتقدم.

وهي التي حسمت المعركة بين الفئات المتناقضة في الكثير من المجتمعات البشرية، وقد ساهم الفلاسفة سواء اولئك المثاليون او الواقعيون في إحداث الحركة الدائمة في البحث عن الحقيقة وهذا ما ادى الى بروز تيارين أساسيين في التاريخ الاجتماعي للبشرية ولكل منهما منهجه وإدارته ووسائله لإحداث التوازن في حياة المجتمع.

ولعل التاريخ الأوروبي وأيضا العربي والإسلامي قد تأثرا بهاتين المدرستين الفكريتين، وهما اللتان لا يمكن ان يلتقيا إلا في جانب واحد وهو تحديد العلاقة بين القوى الاجتماعية المتصارعة وربما المتصالحة في بعض الاحيان.

فالثورة الفرنسية والثورة الصناعية ما هما الا نتاج لتطور الفكر الإنساني في جوانبه المختلفة بمعنى التطور في الجوانب العلمية والتي تواكبها التطورات في الفكر الفلسفي وخاصة في حال حقوق الإنسان او تحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم او ما يعرف بتحديد ملامح دقيقة للعقد الاجتماعي. وهو الذي يحد من حدة الفراغات الاجتماعية حسب تطور المجتمع. او حسب المرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع.

وفي هذا الجانب تؤكد الوثائق التاريخية ان الرسالات السماوية او الحركات الإصلاحية الاجتماعية تتفق على أهمية إحلال العدالة والمساواة والحرية في مختلف المجتمعات البشرية سواء في العالم القديم او الجديد.

وقفت برهة للتفكير في كتابة فقرة جديدة حتى استطيع الاستمرار إلا ان شيئا ما برز في ذلك المكان الذي أود ألا يشاركني فيه احد حيث الوحدة .. اللهم إلا من القلم والأوراق البيضاء والتي اسطر عليها ما أفكر به بشكل مكتوب وفي كثير من الأحيان أمزق تلك الأوراق التي كتبت عليها بعض الأفكار .

والتي ربما لا تعجبني او قد تكون خروجا عما هو متاح للاطلاع عليه من قبل الغير، فمن المعلوم ان التفكير بصوت عال غير مسموح به في بعض الأحيان وخاصة ان كان ذلك قد يؤدي الى خلق وخلط الأوراق. وهذه هي حال الدنيا.

في هذه اللحظة من التجليات والهيام في عالم تتداخل فيه الحضارة والثقافة بين الخصوصية والعمومية، بين الذات التي تبحث عن الحقيقة وبين الأنا التي تبحث عن مكان تحت الشمس وربما تحت ضوء القمر الشاعري او محاولة البحث عن موضوع يمس الجميع او الذات البشرية فيبرز للسطح ذلك الذي يطلق عليه الصديق اللدود او الأنا الأخرى..

تلك التي تشكل قلقا للجميع والتي تطرح اسئلة بشكل قاضٍ ومباشر والتي تحاول ان تضعك في خانة «كش ملك» وهي مرحلة من مراحل لعبة الشطرنج والتي تجعل اللاعب يستخدم عصارة تفكيره لإنقاذ الملك من الموت. هذه اللحظات هي التي تجعلك تفكر بعمق في كيفية مراجعة كل الخطوات التي قمت بها من اجل الانتصار. فهل يسمح لك في إعادة الحركة الى البداية..! لست ادري.. لكنني أدري أن البداية دائماً صعبة.

المطوع رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae