ما أن لاح خيط الضوء في الأفق الفلسطيني، بخصوص تشكيل حكومة وحدة وطنية، حتى بدأ التخريب المبكر لفركشة وتعطيل ترجمة هذا التطور. فمع طلوع الخبر، قبل أيام، كرّت سبّحة الشروط وزرع العقبات والتعجيزات والاعتراضات الأميركية؛ التي بدت وكأنها تدفقت بهدف العرقلة ونسف ولادة مثل هذه الحكومة.
وإذا كان من المفهوم أن تقوم إسرائيل بمثل هذا الدور لإجهاض الولادة هذه، لأنها لا تريد رؤية وحدة فلسطينية كما لا تريد العودة إلى التفاوض؛ إلا انه من الصعب فهم الاشتراطات الأميركية المسبقة، إلا من خلال كونها امتداداً للموقف الإسرائيلي المربك، الرامي إلى ضرب التوافق الفلسطيني.
فإدارة الرئيس بوش احتضنت باستمرار الذريعة، الإسرائيلية القائلة: بأنه ليس هناك طرف فلسطيني واحد للتفاوض معه! استخدمت هذا الزعم للتهرب من العودة إلى الطاولة، ولغرض اللعب على الخلافات الفلسطينية، والعمل على تأزيمها وبالتالي تفجيرها. واحتضنت الإدارة الأميركية دفتر شروط إسرائيل، الذي يطالب حكومة «حماس» باتخاذ خطوات، سلفاً، لتكون مقبولة كشريك في الحوار.
بعد شهور طويلة تمكن الجانب الفلسطيني من حلّ خلافاته حول هذه المطالب؛ ولو بصيغة تحفظ ماء الوجه، لأطرافه. فقد وافقت «حماس» على «التعامل مع الاتفاقيات الموقعة». كما وافقت على ترك ملف التفاوض لمنظمة التحرير الفلسطينية ضمناً، يعني ذلك أن الحكومة، غير معترضة على خيار التسوية وبالتالي نتائجه، إذا جاءت ملائمة لمصالح الشعب الفلسطيني.
بالإضافة إلى هذا وذاك أعلن رئيس الحكومة الفلسطينية، أكثر من مرة، بأنه ليس ضدّ التعاطي التقني ـ الإداري مع إسرائيل، طالما كان ذلك حاجة لتسيير وتيسير المصالح الفلسطينية. بيد أن كل ذلك لم يكن كافياً بالنسبة للإدارة الأميركية، بالرغم من كل ما ينطوي عليه من استعداد، يستحق ملاقاته إلى منتصف الطريق.
السلطة الفلسطينية أعربت عن استغرابها من الموقف السلبي الأميركي، تجاه الاتفاق حول حكومة الوحدة الوطنية. الرئيس أبو مازن في طريقة إلى نيويورك لمقابلة الوزيرة رايس والرئيس بوش؛ بغية إقناع الإدارة بضرورة الترحيب بهذه النقلة الفلسطينية، واستطراداً بضرورة الضغط على إسرائيل للتخلي عن عراقيلها المعروفة.
الأوروبيون رحبوا، بدورهم، وأعربوا عن الاستعداد للتعامل مع الحكومة الجديدة المرتقبة، حتى بلير أقرب المقربين لإدارة بوش، رأى أنه على العالم ـ والكلام موجه إلى واشنطن ـ التعامل مع حكومة الوحدة الفلسطينية، بعد أن تبصر النور.
إذا كانت الولايات المتحدة تسعى فعلاً إلى تحريك عملية السلام باتجاه بلوغ الهدف الذي رددته مراراً وتكراراً وهو حلّ الدولتين؛ وإذا كانت قد ربطت سعيها هذا بتوصل الوضع الفلسطيني إلى موقف موحد يصبّ في تزخيم هذا التوجه، فإن الظرف الراهن استوفى المطلوب ولم يبق هناك ما يبرر الرفض وتصعيد المطالب.
خاصة وانه بالترافق مع هذه الحلحلة الفلسطينية الايجابية، هناك تحرك عربي، تحت عنوان «المبادرة العربية» التي تدعو إلى حلّ شامل على أساس «الأرض مقابل السلام» المطروحة على الأمم المتحدة، بمناسبة افتتاح دورتها العادية للجمعية العمومية هذا اليوم.
وبذلك يكون الفلسطينيون والعرب قد قطعوا المسافة المطلوبة وأكثر. الكرة باتت بملعب واشنطن التي عليها الكف عن وضع العصي بدواليب القضية الفلسطينية التي صار من الواضح انه من دون تسويتها لن يكون هناك استقرار في المنطقة.