يوجد داخل إقليم دارفور السوداني حالياً 14 ألفاً من العاملين في منظمات «الإغاثة» الغربية.

والولايات المتحدة مشغولة حالياً بتحريض العالم لإرسال قوة عسكرية أجنبية إلى الإقليم تتكون من نحو 20 ألف جندي.

وعلى أي مراقب موضوعي أن يتساءل: هل تؤدي مهمة هذين «الجيشين» إلى حل للمشكلة السياسية في دارفور؟

ولكن أولاً وابتداءً: ما هي «المشكلة السياسية» على وجه التحديد؟ ما هي أسبابها؟ ما هي جذورها؟ وهل هي حقاً مشكلة سياسية بالمعنى العريض والعميق أم قضية مطالب اقتصادية واجتماعية أم هل هي مجرد نزاع قبلي؟

بعد هذه التساؤلات الأساسية لن يملك المراقب الموضوعي إلا الانسياق مع الفضول العلمي وحب الاستطلاع المتجرد ليضيف تساؤلاً أساسياً آخر: هل ينبغي النظر إلى قيادات المنظمات المسلحة في دارفور بأنها حقاً تمثل أهل دارفور جميعاً أم أنها شخصيات منتقاة بعين أميركية فاحصة لتقوم بتمثيل دور مدفوع الأجر؟

إذا تابعت البيانات البلاغية التي يتواتر صدورها على نحو يومي عن جورج بوش أو توني بلير أو الناطقين باسميهما فإنك لن تحصل على أية إجابة عن هذه الأسئلة الحيوية المحورية. فأحاديث بوش وبلير محصورة بعناية في «الإبادة» و«الإغاثة».

وهذا هو موضع الريبة. ذلك أن التركيز على «النتائج» مع تجاهل «الأسباب» عمدا يخدم أجندة غير معلنة.

فالتركيز على الإبادة والإغاثة يمثل خطاً «منطقياً» يقود بالحتمية إلى المطالبة بإرسال قوات «دولية» وكأن قضية دارفور برمتها ليست سوى معضلة أمنية لوقف إبادة لا وجود لها ولتسهيل إغاثة غربية يخصص نحو 90 في المئة من اعتماداتها المالية كرواتب وامتيازات للألوف المؤلفة من جيش المغيثين الغربيين. وهو جيش مدخر أيضاً لأن يتولى الدور الاستخباراتي للقوات «الدولية» إذا أتيح لها الانتشار.

على هذه الخلفية أطلقت بريطانيا الآن ما يسمى بمبادرة بلير. ورغم أن هذا المشروع الجديد لم تكتمل تفاصيله بعد إلا أن خطوطه الأساسية التي أعلنت رسمياً لا تتضمن أي تشخيص سياسي أساسي ـ فضلاً عن حل سياسي ـ لمشكلة دارفور. ووفقاً لهذا الإعلان فإن المبادرة توضح المساعدة التي بإمكان السودان أن يتوقعها «في حالة وفاء الحكومة بتعهداتها وما سيحدث في حالة عدم وفائها».

وهذه «المساعدة» تتضمن ثلاثة بنود هي وضع نهاية لتوقف المساعدات التنموية لإعادة الإعمار وتخفيض ديون السودان الخارجية ورفع العقوبات الأميركية عنه.

لكننا نتساءل: ما علاقة أي بند من هذه البنود بمعادلة سياسية لإيجاد حل سياسي سلمي لمشكلة دارفور.. إن كانت هناك فعلاً مشكلة ذات جذور سياسية في الإقليم؟

قد سبق أن جرت مفاوضات مطولة بين الحكومة السودانية وممثلي المنظمات المسلحة انتهت أخيراً إلى مشروع «اتفاق أبوجا للسلام».

وشاركت في العملية حتى نهايتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. وخلال العملية طلب المندوب الأميركي تنازلات معينة من الحكومة استجابت لها الحكومة. ولكن كما نعلم فإن منظمة واحدة فقط هي التي وقعت على الاتفاقية.

وإذن ألم يكن بالأحرى على إدارة بوش وحكومة بلير أن توجها ضغوطهما وتهديداتهما إلى قادة المنظمات التي لا تريد السلام عوضاً عن توجيهها إلى الحكومة السودانية لتوافق على استقبال قوة عسكرية «دولية» أم أن الإصرار الأميركي والبريطاني على التدخل العسكري «الدولي» نابع من أجندة خفية؟