هل هي مصادفة أن يطل على المسلمين من حين لآخر، من يتطاول على معتقداتهم ويسيء إلى أصول دينهم ومقام نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم ويذكي نار الفتنة برهة من الزمن، ثم يعود بعد فوات الأوان ليبدي «أسفا» غير مقنع لا يلبث أن تكذبه الأيام، فيسقط وتسقط معه اقنعة قيادات سياسية ودينية تزعم الانتماء لعقيدة سماوية وتحتمي وراء واجهات تعتبرها مقدسة؟.

كل الدلائل تشير بالنفي القاطع، ولذلك فإن ما أعلنه الفاتيكان أمس من «اسف البابا بنديكتوس السادس عشر لكون بعض مقاطع خطابه بدت مسيئة لمشاعر المؤمنين المسلمين وفسرت بطريقة غير مطابقة بأي من الأشكال لنواياه»، لا يكفي لإقناع أمة مطعونة في أساس عقيدتها وصميم إيمانها وقدسية رسولها المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي جلب الخير للبشرية وأخرجها من الظلمات إلى النور ومن استرقاق البشر إلى عبادة الواحد الأحد.

كما أن ذلك الإعلان لا يبدو كافيا لتضميد الجرح العميق الذي سببه استطراد تلك المقولة المشؤومة لحاكم بيزنطي حاقد، فما حملته عبارات ذلك البيان من مراوغات وتنصل من المسؤولية يبدو أكثر مما تحمله من ندم على الفعلة النكراء وعزيمة على عدم العودة إليها.

وقد رأينا قبل فترة ليست بالطويلة كيف تراجع الرئيس الأمريكي جورج بوش -ظاهريا- عن استخدامه تعبير «الحرب الصليبية» واعتبره «زلة لسان»، ليعود بعد حين إلى «زلة أخرى» لا تقل فحشا عبر اطلاقه مصطلح «الفاشية الإسلامية»، وكيف حاولت الصحيفة الدنماركية الاعتذار بأساليب ملتوية عن رسومها المسيئة للمسلمين ثم ما لبثت أن عادت بعد ذلك إلى تسريب تلك الرسوم عبر العديد من الصحف الأوروبية.

في ضوء ذلك، يبدو ما أثارته تصريحات بابا الفاتيكان حتى الآن من ردود فعل غاضبة في العالم الإسلامي أمراً طبيعياً ومتوقعاً في مواجهة أحدث حلقة في سلسلة من المواقف الغربية غير المسؤولة، تصب جميعها في خانة العداء السافر للإسلام والمسلمين.

ويجب على رأس الكنيسة و«حوارييه» من رجال الدين والسياسة السعي بجد وسرعة لاحتواء تبعاتها، عبر اعتذار علني صريح عن الاساءات الكريهة وتعهد واضح بعدم تكرارها، قبل أن تتطور الأمور إلى الأسوأ وتقود إلى حرب دينية غير محمودة العواقب بدأت مؤشراتها أمس بإحراق عدد من الكنائس في فلسطين والعراق وبإهدار دم البابا من قبل عدد من الجماعات المتشددة.