مرة أخرى نجدنا على موعد مع شهادة دولية تبرز الوجه المضيء للسياسة العمانية المعاصرة، هذه المرة تتمثل في فوز السلطنة بالمرتبة الثانية عربياً في مؤشر سيادة القانون والذي تضمنه تقرير أصدره البنك الدولي أمس تحت عنوان (قضايا نظام الإدارة العامة 2006 .. مؤشرات عالمية لنظام الإدارة العامة).
ذلك لأن السلطنة استحقت هذا التقدير من خلال الشوط الكبير الذي قطعته على درب الاستقرار السياسي وتطوير النظام القضائي وتحديد اختصاصات المحاكم ودرجاتها والاجراءات القانونية الواجب اتباعها في درجات التقاضي، حيث أرسى النظام الاساسي للدولة منظومة متكاملة من المبادئ والقواعد القانونية تكفل عدالة التقاضي وتضفي المرونة على التشريعات ضمن مسيرة شملت تأهيل القضاة والمحامين عقب الأمر السامي بإنشاء معهد القضاء العالي في نزوى.
كما أن الجهاز القضائي في السلطنة يواكب باستمرار حركة التطور التي يشهدها المجتمع العماني باختلاف فئاته وانشطته مع توفير الاستقلالية الكاملة للقضاء وتعزيز دوائره المعنية بتنظيم حركة المعاملات في المجتمع منذ بزوغ فجر النهضة المباركة التي رعى مسيرتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ.
وما من شك في أن الارتقاء بالجهاز القضائي قد وفر مناخاً من سيادة القانون والاستقرار السياسي والأمني أضفى بدوره تحسينات كبيرة في مجال نظام الادارة العامة وتكون النتيجة النهائية توفير مناخ من عدالة التوزيع وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد في مهده، ومن ثم تتنامى العائدات التنموية ويتحسن دخل الفرد ويبادر المواطنون إلى التفاعل مع حركة المجتمع والنشاط العام وبخاصة ازدهار الانشطة الاقتصادية التي تدفع مستويات المعيشة قدما الى الامام فالجميع مطمئن إلى مناخ الشفافية وحرية النقد وإبداء الرأي في الشأن العام والمبادرة إلى التفاعل الايجابي مع خطط الدولة لضبط إيقاع الحركة العامة في البلاد.
إن شعور المواطن بالأمن والأمان يدفعه الى التفرغ للانتاج ما دامت حقوقه مصانة وحياته آمنة ولديه شعور عميق بالرغبة في تفجير طاقاته الداخلية لخدمة التنمية الوطنية والتمشي مع التطورات الانتقادية والاجتماعية والسياسية التي يشهدها المجتمع العماني المعاصر.
هذا الواقع الذي نتج عن حرص القيادة العليا للوطن على تحقيق سيادة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات هو الذي أرسى دعائم العدل والسلام الاجتماعي كضمانات لصيرورة المسيرة الحضارية التي تنطلق فيها بلادنا والتي تستلفت انتباه أجهزة البحث والرصد والتحليل الاقليمية والعالمية باتجاه هذه الريادة العمانية التي قطعت خمسة وثلاثين عاماً من العمل الجاد والأمين والمضني لإقامة أركان راسخة لهذا المجتمع في ظل منظومة القيم والتقاليد والتراث التشريعي الأصيل الذي يستلهم روح العقيدة الاسلامية السمحة ويترسم خطاها ويحترم تعالميها المنظمة لحركة التطور الواعي والمنظم والمحسوب في كل خطواته.
لقد طال الأمد بتلك النظرة الفوقية التي كان ينظر بها الباحثون والمنظرون لطبيعة حياة شعوب وبلدان العالم النامي، إلى أن جاءت هذه اللفتة من جانب المؤسسات العالمية التي أدركت بدورها حتمية تعديل نظراتها واحترام الجهد المبذول من جانب أنظمة ومؤسسات دول مثل السلطنة استحقت على أثره ان تعترف تلك الأجهزة الإقليمية والعالمية بدورها الريادي في مجال التنظيم والإدارة العامة للدولة.
إن هناك فرقاً كبيرا بين أن تتحدث وسائل الإعلام في بلد ما عن العدل والتنظيم الإداري للدولة وأن يكون هذا العدل وذلك التنظيم واقعاً معاشاً وحقائق ملموسة وعرفا عاما ينظم حركة المجتمع ويستشعره القاصي والداني في كل خطوة يخطوها داخل السلطنة، فضمان الحقوق والحريات المدنية الأساسية واستقلالية القضاء هو الطريق المستقيم نحو الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية التي ينشدها الجميع.