العاصفة التي اثارها البابا بنديكتوس السادس عشر بتصريحاته المسيئة التي مسّت العقيدة الاسلامية في الصميم ومست الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم وجرحت مشاعر المسلمين في مشارق الارض ومغاربها لا تبعث فقط على الشجب والاستنكار والصدمة خاصة وانها تصدر عن اعلى مرجع ديني في العالم المسيحي، بل انها تثير الكثير من التساؤلات حول اهدافها ومضامينها وتوقيتها.

فالحبر الاعظم الذي يفترض ان يشكل رمزا للتسامح والاخوة الانسانية ورمزا للعمل الدؤوب من اجل التقريب بين الاديان وتعزيز مسيرة الحوار بين ابناء مختلف الديانات السماوية على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم الاقدام على ما يسيء الى اي دين او معتقد بعينه خالف كل ذلك ليثير موجة واسعة النطاق من الغضب العارم لدى شعوب الامة الاسلامية وقياداتها الدينية والروحية بل انه خالف النهج المتزن والعقلاني الذي اتبعه سلفه المرحوم البابا يوحنا بولص الثاني الذي حرص طوال مسيرته على تعزيز مشاعر الاخوة الانسانية ووأد الصراعات الطائفية واعطاء دفعة حقيقية للحوار بين الاديان.

واذا كان العالم الاسلامي لم يتجاوز بعد صدمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم التي نشرتها صحيفة دنمركية واثارت قبل شهور موجة عارمة من الغضب، رغم ان مرتكب تلك الحماقة لم يكن بمنزلة البابا.

فقد كان الاجدر بالحبر الاعظم ان يدرك ما ستثيره اقواله المسيئة لدى كافة الشعوب الاسلامية وما ستولده من تعميق الكراهية وتأجيج للنزعات الطائفية في ا لعالمين الاسلامي والمسيحي في الوقت الذي سعى فيه رجال دين وفكر وسياسة من مختلف الاديان على مدى عقود لتمتين عرُى الاخوة الانسانية واحترام الاديان واستبعاد شبح الصراع الطائفي المقيت.

ولعل ردود الفعل الواسعة في العالم اجمع الصادرة عن رجال دين ومفكرين وسياسيين وغيرهم المنددة والمستنكرة لما ادلى به البابا يؤكد على فداحة الخطأ الذي ارتكبه القائد الروحي الاول في العالم المسيحي عندما ربط بين الاسلام والعنف وعندما اوصى بأن لا علاقة بين العقل والمنطق والعقيدة الاسلامية او عندما اقتبس مقولة بائسة من امبراطور بيزنطي تسيء الى الرسول صلى الله عليه وسلم وتنسب اليه نشر الدعوة بالسيف.

وفي الحقيقة فأن البابا بنديكتوس السادس عشر يعيد بهذه الاقوال المقيتة البشرية جمعاء قرونا طويلة الى الوراء بنفس عمر المقولة البائسة التي اقتبسها منذ عام 1319.

كما يعيد الى الاذهان ما استخدمه (رجال دين) باسم المسيحية من مقولات لتبرير الحروب الصليبية في القرون الوسطى، ليعيد مجددا شبح القمع والارهاب وبحد السيف في حينه الذي مارسته الكنيسة في تلك العصور المظلمة باسم المسيحية.

وهو ما تجاوزته الكنيسة منذ فترة طويلة فصححت اخطاءها وكان لدى من سبقوه في هذا المنصب الحساس الجرأة والشجاعة لطي صفحة الماضي والمضيّ قدما لتعزيز الاخوة الانسانية بعيدا عن التعصّب الطائفي وتعبيرا عن اتهام الاخر والمس بمشاعر امة باكملها.

وما يجب قوله هنا هو ان العقيدة الاسلامية تحترم العقل والمنطق والدين الاسلامي هو دين المحبة والتسامح بعكس بعض ساسة اليوم او المتعصبين من رجال الدين من الصاق اوصاف ومزاعم به.

واذا كان البابا قد تذكر مقولة ذلك الامبراطور البيزنطي البائسة حول ما وصفه بالاعمال الشريرة فليتذكر جيدا تاريخ الحضارة الاسلامية وما أمدت به هذه ا لحضارة البشرية اجمع من تقدم علمي ونهصة متنوعة المجالات وتراث انساني نهلت منها اوروبا التي كانت تغرق في ظلام التخلف في حينه.

ولهذا كله فان من مسؤولية الفاتيكان اليوم اصلاح هذا الخطأ الفادح ومحاولة احتواء الاثار الخطيرة الناجمة عنه ليس فقط في العالم الاسلامي بل وبالاساس على مستوى العلاقات البشرية بين امم الارض وعلى مستوى مسيرة حوار الاديان التي وجه البابا لها ضربة شديدة وعلى المستوى الانساني الذي لا يبيح لاي رجل دين الاعتداء على عقائد ومشاعر ابناء الديانات الاخرى وعلى مستوى المسيحية التي يجب ان تحتفظ بمضمونها الانساني ومبادئها النبيلة بعيدا عن التعصب او الاستغلال لهذه الديانة السماوية السمحاء .

كما ان من مسؤولية رجال الدين والفكر والسياسة في العالم اجمع احتواء آثار هذه التصريحات حتى لا يعود عالمنا قرونا للوراء فالمطلوب معالجة هذه الازمة بحكمة ومنطق.