تحدثنا مراراً عن قضية هروب الخدم والسائقين في الدولة عن كفلائهم. وقلنا إن ترك هذه القضية دون حلول جذرية تعالجها وتقلل من آثارها السلبية يؤذن بآثار سلبية أكثر يدفع ثمنها الأفراد والمجتمع معاً.
ففي السابق كانت مشكلة هروب الخدم ذات أثر أكبر على الكفيل خاصة فيما يتعلق بالجانب المادي المكلف. لكن آثار هذه المشكلة بدأت تتسع لتصبح عبئاً جديداً على السلطات الأمنية في الدولة.
وسنوضح من خلال مشكلتين نعرضهما كيفية تحول قضية هروب الخدم إلى عبء يثقل كاهل السلطات الأمنية التي لا تملك السيطرة على المشكلة وسط غياب قوانين وقرارات تصدرها الجهات المعنية باستقدام الخدم كإدارات الجنسية في مختلف الإمارات.
المشكلة الأولى تبدأ مع بحث الخدم الهاربين عن فرص عمل جديدة لهم خاصة لدى الأسر الوافدة أو المقيمة مقابل أجرة يومية تصل إلى الثمانين درهماً. وفي هذه الحالة يستفيد المقيم الذي فتح أبوابه لهذه العمالة الهاربة من وجودها في منزله لخدمته دون أن يتحمل نفقات أخرى تفرضها عليه الجهات الرسمية في حال استقدام خادمة على إقامته.
لكن هذه الفائدة عكّر صفوها حوادث سرقة تعرض لها هؤلاء المقيمون وأصبحوا يقدمون بلاغات بها لدى مراكز الشرطة. وهنا تخرج عن هذه المشكلة مشكلة أخرى يعاني منها رجال الشرطة، فالجهات الأمنية تبقى بين موقفين كل منهما واجب عليها.
الأمر الأول هو تطبيق القانون على هذا المقيم المخالف بتشغيله عمالة ليست على كفالته، وذلك بتغريمه مبلغاً يصل إلى العشرة آلاف درهم.
أما الأمر الثاني فهو العثور على السارق وإعادة المسروقات إلى أصحابها. ومع أن الأمرين كما قلنا واجبان على الجهات الأمنية، إلا أنها تخشى في حالة معاقبة المقيم الذي وظف عاملاً ليس على كفالته أن يصمت عن أي سرقة يتعرض لها، لأن الغرامة الأولى ربما تفوق قيمة المسروق منه. وفي هذه الحالة سيسهم هؤلاء المتسترون على الخدم الهاربين في استشراء السرقة في مجتمعنا على أيدي خدم هاربين، لتصبح قضيتهم ليست هروباً فحسب، بل سرقة وربما ما هو أكثر من ذلك مستقبلاً.
أما المشكلة الثانية فهي تبرز من خلال وجود «مكاتب باطنية لتوظيف الخدم الهاربين»، فهذه المكاتب غير رسمية ويعمل بها أفراد يساعدون الخدم على الهرب من الكفيل، ومن ثم يقومون بتوفير المأوى المناسب لهم في إمارة غير التي كانت تعمل فيها الخادمة أو الخادم.
ويتم الاتفاق على أجرة يومية للخادمة تصل الثمانين درهماً، ثلاثون درهماً منها للشخص الذي أوجد فرصة العمل وخمسون درهماً للخادمة، وبذلك يصبح دخل الخادمة الشهري ما يقارب الألف وخمسمئة درهم وهو مبلغ يتجاوز راتب الخادمة أو الخادم الذي لا يتجاوز في الشهر الثمانمئة درهم.
المشكلتان اللتان ذكرناهما وهما قيام الخدم الهاربين بالسرقة، بالإضافة إلى توظيفهم في الدولة بشكل غير قانوني من قبل أشخاص غير مرخص لهم، ليس إلا مثالين على مشكلات نتوقع المزيد منها فيما لو اكتفينا بالاستنكار مرة وبالغضب مرة أخرى من هؤلاء الخدم الهاربين.
مشكلة هروب الخدم بالإضافة لكونها مشكلة تؤرق الكفيل وتحمله ما لا يطيق، إلا أنها مشكلة ينبغي أن تؤرق المجتمع بأكمله طالما أنها تتجاوز حقوق الكفلاء وتعتدي عليها، وطالما أنها ساهمت في وجود عمالة سائبة، وطالما أنها أسهمت في وقوع السرقات، وطالما أنها اخترقت القوانين في الدولة وضربت بها عرض الحائط.
لسنا ذوي اختصاص لنضع حلولاً لهذه المشكلة لكننا نوقن بأن الجهات المسؤولة تعنى بهذه المشكلة التي باتت تؤرق الجميع حتى رجال الأمن الذين لا يمكنهم ترك ملاحقة المجرمين وغيرهم لملاحقة الخدم الهاربين، وإن فعلت فهي لا تملك حلاً جذرياً لهذه المشكلة.
هناك طرق ووسائل لتقليص هذه المشكلة، قد تكون بتشديد القوانين أو استحداث جديد فيها، أو تعديل قوانين موجودة، نأمل أن تلتفت إليها الجهات المعنية للعناية بالمجتمع عناية تكفل الحفاظ على أمنه واستقراره.