القتل الموصوف والتفظيع بالجثث، ضرب أطنابه في العراق، أرقامه وصوره مخيفة وتثير الرعب، «فرق الموت» تجوب الشوارع والمناطق بصورة متخفية تصطاد الناس وتكدس الضحايا بالجملة.

أول من امس عثرت الشرطة على 52 جثة، وأمس على 47 جثة أخرى آثار التعذيب والتبشيع بادية عليها. ناهيك بالمفصولة رؤوس أصحابها عن أجسامهم. المشهد مريع. الظاهرة متفاقمة والساحة تبدو عصية على الضبط. صناع الموت يجدون طريقهم اليها ويواصلون ذبح العراقيين.. والعراق.

ازاء هذا الانفلات الدموي المفتوح على حرب أهلية يتكاثر دق ناقوس الخطر بخصوصها، قررت السلطات الأمنية اقامة زنار امني حول العاصمة بغداد تم زرع نقاط وحواجز التفتيش على مداخل ومخارج المدينة وتكثيف الدوريات على الطرقات المؤدية اليها مع التحقق من هوية الزائرين والمغادرين لها.

الرئيس بوش نوه قبل يومين، بهذا السياج وأهميته، لأن قيامه سوف يعرقل قدوم المزودين بصواعق التفجيرات.

من الناحية الأمنية التقنية قد يؤتي هذا الإجراء بنتائج في اقله قد يؤدي الى تخفيض نسبي في حجم العمليات.

الزنار المشابه الذي سبق واقيم حول الفلوجة ثم حول مدينة سامراء ساهم في هبوط الهجمات. وهنا يتبادر الى الذهن السؤال الأول: لماذا تأخر اللجوء الى هذا التدبير في بغداد حتى الآن؟ بمعنى آخر لماذا ترك مسلسل التصفيات المذهبية المتجولة يستفحل لهذه الدرجة قبل اتخاذ خطوة الزنار حول بغداد اذا كان لمثل هذا التزنير فائدة مرجوة كما زعم الرئيس بوش؟

لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن ان تستقيم الأمور باعتماد أسلوب الأمن بالمفرق في العراق؟ يعني هل يمكن تزنير كل البؤر المتفجرة هناك ام ان المقصود هو ضبط الأمن، ما أمكن، في العاصمة بحيث يمكن لواشنطن عند ذاك توظيف هذا الضبط لصالح حسابات سياسية داخلية تهم ادارة الرئيس بوش؟

كيفما كانت الحال لاشك ان الاحتياطات والإجراءات الأمنية ضرورية وحاجة يومية في وضع كالعراق. لكن في الوقت ذاته ثبت بالتجربة ان التدهور الأمني هناك هو انعكاس لتعقيدات وإشكالات المشهد السياسي بقدر ما يتأزم هذا الأخير وتتعثر أوضاعه ومسيرته، بقدر ما يسوء ويتعنف الجو الأمني.

واذا كانت مصائب الساحة السياسية تعود في الشق الأكبر منها الى تأثيرات تدخلات الخارج على الداخل، ومن بينها الاحتلال فإن الشق الآخر - وهو ليس باليسير - منها ناشئ عن صراعات الداخل وعدم قدرة اطرافه على التوافق بالحد الأدنى حول الأساسيات فالقضايا الخلافية تغيب ثم تحضر فجأة يتم تحييدها وتأجيلها تحت ضغط اللحظة لتعود الى السطح فجأة وتصطحب معها التوتر من جديد.

آخر حلقة كانت في العودة إلى موضوع الفيدرالية وقبله موضوع العلم في اقليم كردستان وهنا ثمة علامات استفهام تطرح نفسها حول الدور الذي يلعبه الاحتلال - وهو في معظم الحالات غير مرئي - في هذه الملفات السريعة الالتهاب. وقوفه موقف المتفرج وهو صاحب الحل والربط يثير الارتياب. لكن بالنهاية لابد من القول ان مهمة رأب الصدع هي عراقية أولا وأخيرا.