من يحاسب رئيساً أميركياً يجعل من عادة الكذب على أمته وعلى العالم منهجاً ثابتاً وسياسة معتمدة؟
سيقال إن الدستور الأميركي يخول الكونغرس سلطة محاسبة الرؤساء المنحرفين في مثل هذه الحالة.
هذا هو الرد النظري.
ولكن ماذا لو تبنى الكونغرس نفسه عادة الكذب المنهجي مما يجعل منه شريكاً إجرامياً للرئيس؟
آخر الأخبار الصادقة عن المؤسسة الأميركية الكاذبة تفيد بأن الكونغرس أصدر في سبيل الإساءة إلى إيران تقريراً يتضمن وقائع مزورة أو محرفة. ولم تأت الشهادة على هذا التزوير والتحريف من الحكومة الإيرانية وإنما صدرت عن منظمة دولية تشارك في عضويتها الولايات المتحدة.
التقرير الأميركي يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني الذي ظل يتعرض لحملة دبلوماسية ودعائية تتزعمها الإدارة الأميركية على مدى السنوات الثلاث الأخيرة.
ورد في التقرير الصادر قبل ثلاثة اسابيع تقريباً أن إيران قامت بتخصيب اليورانيوم (من النوع العسكري) اي ان طهران دخلت المرحلة الأولى لتصنيع أسلحة نووية.
هذه عبارة مضللة وجاء فضح التضليل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في رسالة بعثت بها إلى الكونغرس الأميركي ونشرتها وسائل الإعلام العالمية.
لقد سعى واضعو التقرير الأميركي إلى تقديم إيران على انها أصبحت تشكل تهديدا استراتيجيا بإيراد معلومات خاطئة ومضللة ولا تستند إلى أي أساس على حد قول وكالة الطاقة الذرية.
وعلى سبيل الشرح تمضي رسالة الوكالة الدولية إلى القول إن عمليات التفتيش التي قامت بها لا تفيد إلا بأن إيران قامت بالتخصيب بمعدل 6,3 في المئة وهو اقل بكثير من نسبة 90 في المئة المطلوبة لصنع اسلحة نووية.
بالطبع ليس هدف الوكالة الأول الدفاع عن ايران وبرنامجها وانما تدافع الوكالة عن نزاهتها كمنظمة دولية اذ يبدو ان التقرير الأميركي الكاذب وضع بطريقة توحي وكأن «المعلومات» التي استند اليها صادرة عن الوكالة الدولية. لذا ليس من المستغرب ان رسالة الوكالة الى الكونغرس تضمنت ايضا احتجاجا شديد اللهجة.
لقد كان الظن ان سياسة الكذب المنهجي ينفرد بها جورج بوش وكبار رموز ادارته ـ نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ـ لكن يبدو ان كافة فروع مؤسسة السلطة الأميركية متورطة في ممارسة هذه السياسة القبيحة بما في ذلك الهيئة التشريعية التي تتكون عضويتها من «ممثلي الأمة».
قبل افتراء الكذب على ايران كان افتراء الكذب على عراق صدام الى ان شنت حملة الغزور التي ادت الى احتلال الأراضي العراقية منذ مارس 2003 وبينما قدم رئيس التفتيش الدولي آنذاك تقريرا الى مجلس الأمن الدولي يفيد بأن العراق خال من اسلحة نووية كان بوش ماضيا في عملية تضليل العالم بالتأكيد على ان عراق صدام يمتلك اسلحة نوووية (قابلة للتشغيل الفوري) في غضون اقل من ساعة.
اجل لقد اعترف بوش نفسه بهذه الكذبة الكبرى التي بنى على اساسها قرار حرب غير مشروعة.
والآن ومع توسع سياسة الكذب المنهجي لتشمل ايضا الهيئة التشريعية دون محاسبة احد فإن العالم يتساءل: هل تعيش الولايات المتحدة حقا نظاما ديمقراطيا يقوم على قيم سامية في مقدمتها الشفافية وسيادة القانون؟