هرباً من ضغوط الداخل جاء رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى المنطقة ليجد غضب الخارج على سياساته أمامه، وقوبلت زيارته برايات الاحتجاج والاستهجان لانحيازه الأعمى إلى حليفه الاميركي جورج بوش، ورأينا كيف وقف المحتجون علانية خلال مؤتمريه الصحافيين في رام الله وبيروت، رفضا لمواقفه من العدوان الإسرائيلي على لبنان واستمرار خنق الفلسطينيين، وهو ما وضعه في حرج بالغ.

اعتقد بلير أن الذهاب إلى الشرق الأوسط، يمكن ان يخفف من حدة تدني شعبيته، ومطالبة بريطاني من بين كل اثنين برحيله عن السلطة، لكنه وجد ما صنعت سياساته حاضرا، في شكل تظاهرات، في شكل استقبال فاتر لا يليق برئيس وزراء دولة بحجم بريطانيا التي تحولت في عهد بلير إلى خادم مطيع للسياسات الأميركية.

وهو ما أسهم في تصاعد حركة العصيان والتمرد ضده من داخل صفوف حزب العمال الذي يترأسه، وبدلا من استعادة ثقة مفقودة في سياساته، رحل الرجل عن المنطقة وسياسته اكثر اهتزازا في مصداقيتها.

قبل تسع سنوات عندما دخل بلير 10 داوننغ ستريت كأصغر رئيس وزراء، كان الاعجاب البريطاني بالقادم الجديد في اوجه، وعول كثيرون على قيادة شابه يمكن ان تسهم في الكثير من التحديات التي تواجه بلاده والعالم، لكن اخذ الحماس للزعيم الشاب يخبو شيئا فشيئا حتى بلغ عدم الرضا على سياسته ذروته في الاسابيع الاخيرة، بالكشف عما اسماه الاعلام البريطاني مؤامرة من منافسه وزير المالية جوردن براون، ومطالبة العديد من نواب حزب العمال برحيله قبل نهاية العام الجاري، غير ان بلير تجاهل ان الكرسي زائل وان طال الجلوس عليه.

وبدلا من تصحيح الاخطاء التي كانت سببا في انهيار شعبيته، وفي مقدمتها المضي في الركب الاميركي مع اسوأ ادارات البيت الابيض، وجدنا بلير يدافع بحماسة منقطعة النظير عن التحالف البريطاني الاميركي، بل وكيل المديح للسياسات الاميركية، وضرورة فتح المجال امام دور واشنطن في قيادة العالم وبسط سيادتها عليه!

اختار بلير منهج التغاضي عن اخطاء الادارة الاميركية، وفشل في القيام بدور الناصح الأمين لحليفه بوش الذي لم يعطه مجالا للقيام بهذا الدور اصلا، وانما جعله مجرد مبرر للسياسات الأميركية التي جلبت بدورها الغضب على البيت الابيض.

فقد انحاز بلير منذ البداية الى قرار واشنطن بغزو العراق تحت ذريعة البحث عن اسلحة الدمار التي ثبت كذبها تارة، ووجود علاقة بين صدام والقاعدة وهو ما لم تقدم الولايات المتحدة دليلا عليه تارة اخرى، لكن بلير لا يزال يردد مقولات بوش نفسها حول ان العالم بات افضل من غير صدام.

مشكلة بلير انه غرق في المستنقع الأميركي، ليس بالتدريج ودون ان يشعر، بل بالاندفاع الى الامام وبسرعة اكبر في بعض الاحيان عن ساسة اميركيين اعربوا عن احتجاجهم على سياسات بوش، والمجاهرة برفضها من داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الاميركي، في وقت بدا رئيس وزراء المملكة المتحدة اكثر جمهورية من الجمهوريين أنفسهم، وهنا تكمن مأساة بلير الذي لم يحافظ على الخيط الرفيع بين التحالف القائم على تبادل المصالح والسير في الركب دون مناقشة.

واليوم يدفع بلير ثمن أخطائه، وعليه ان يتقبل بصدر رحب الأصوات المطالبة برحيله الفوري عن السلطة، ولا يلومن الا سياساته واختياره الطريق الذي مضى عليه بملء إرادته رغم التحذيرات التي أطلقها البعض من خطورة ما يفعل ليس على مستقبله السياسي فحسب، بل ومصير حزب العمال بعد خروجه من السلطة.

التشبث بالسلطة مع الإصرار على الخطأ، شيء يصعب امام سيف الناخبين البتار، الذي لا يعطي للزعيم السياسي توقيعا على بياض، وخاصة في واحدة من اعرق الديمقراطيات في العالم، والمؤكد ان سيل استطلاعات الرأي التي أشارت مؤخرا إلى ضيق البريطانيين ذرعا ببلير، ستكون نتائجه كارثية على حزب العمال ولسنوات قادمة، ولعل في الانتخابات المحلية الاخيرةالتي خسرها الحزب، مؤشرا واضحا الى اين تسير الامورالتي كان الرجل سببا في خلقها.