خمس سنوات بعد 11 سبتمبر ، بعد انطلاق الحرب على الارهاب، تظل مشاهد ثلاثة شرق أوسطية وأميركية تسمح بتقييم هذه الحرب بعد نصف عقد من انطلاقها، بعد أن صارت أميركا أكثر أمانا ولو أنها غير آمنة كما تقول الإدارة الأميركية وبعد ان انتشر «الإرهاب الفائق»، والتعبير لفرانسوا هيسبورغ رئيس المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، في آسيا وإفريقيا وفي العالم العربي بالطبع. وللتذكير فالتعبير يقرب من مفهوم «القوة الفائقة» الأميركية.

المشهد الأفغاني: حيث اشتعلت الحرب من جديد مع عودة الطالبان إلى القتال وحيث وصلت نسبة إنتاج الأفيون إلى أعلى مستوى لها في تاريخ البلد اذ وصلت الى 92 % من إنتاج الأفيون في العالم وذلك دليل ساطع على فشل بناء الدولة في أفغانستان.

المشهد العراقي أو تلك الحرب الإرادية التي أدمجت في الحرب على الإرهاب في أوج انطلاق هذه الأخيرة حيث يقف العراق اليوم على حافة السقوط الكلي في الحرب الأهلية التي لن تقف تداعياتها عند الحدود الرسمية للدولة العراقية ويبدو الارتباك والتراجع الأميركي كبيرا في تحديد الأهداف في العراق:

من الحديث عن مكاسب الانتصار وبناء النموذج في الشرق الأوسط إلى التركيز على مخاطر الفشل، من الأهداف الهجومية إلى الأهداف الدفاعية، ومن الأهداف التغييرية الإقليمية إلى الأهداف الذاتية الممكنة والمتواضعة بالفعل ولو رفض البعض المجاهرة بذلك.

المشهد الأميركي حيث تزداد صورة واشنطن ودورها القيادي سلبية يوما بعد يوم في العالم، كما تدل على ذلك كافة استطلاعات الرأي والأميركية منها بالخصوص. تزداد الصورة سلبية وتفقد واشنطن ما تبقى لها من رصيد قيادي والقيادة ليست فقط القوة العسكرية أو القوة الصلبة، في العوالم العربية والإسلامية والآسيوية وحتى الأوروبية.

ويزداد الانتقاد للسياسة الأميركية في الولايات المتحدة ذاتها: انتقادا لمردود وإدارة الحرب ضد الارهاب وانتقادا لكيفية ادارة بناء السلم في العراق كل ذلك على خلفية ازدياد مشاعر القلق والارتباك والتساؤل فيما يستقر التشاؤم كسمة جديدة في الثقافة السياسية الأميركية المعروفة لأسباب تاريخية بثقافة التفاؤل اللا محدود.

الحرب على الإرهاب أسيرة «صانعي» رؤيتها من عقائديي المحافظين الجدد أصحاب الهندسة التغييرية والثوروية في صياغة شرق أوسطهم الكبير والجديد، انه العمى الإيديولوجي الذي يمنع من رؤية التضاريس التاريخية والمجتمعية المختلفة لدول المنطقة .

وما تحدثه هذه التضاريس من خصوصيات وسمات تحكم قضايا وأولويات واهتمامات وحساسيات مجتمعات الشرق الأوسط ولا تجعلها بالطبع ممانعة للتغيير بل تفرض إخضاع التغيير لعمليات معقدة وغير سهلة وبعيدة كل البعد عن الوصفات السحرية المعلبة في «المختبرات» الفكرية للمحافظين الجدد.

الحرب على الإرهاب استعادت رؤية حكمت الحرب الباردة خاصة في أوج لحظات الأخيرة. رؤية تبسيطية تقوم على ثنائية الخير والشر، «النحن والهم». رؤية اختزالية واسقاطية وتعميمية تحمل مخاطر خلق بذور «صدام الحضارات» بين الجماعات المختلفة في الدولة الواحدة أو بين الفضاءات الحضارية المختلفة من خلال خلق حالة توتر مع المسلمين والعرب أينما وجدوا.

رؤية تقوم على اصطفاف مفروض على العالم غير عابئة بجذور المشاكل ومسببات القضايا الشائكة وتعقيداتها. رؤية تسقط التاريخ والاجتماع البشري. مخاطر الحرب الباردة الجديدة إنها تقوم على تديين السياسة وهي ظاهرة تصب في تجميد الصراع وجعله قائما على إلغاء الآخر أو إخضاعه كليا. إنها حرب الأصوليات سواء كانت استراتيجية أم دينية المصدر والأفق تحت عنوان من ليس معي بشروطي فهو ضدي وهو عدوي.

إنها حرب تقوم على اختزال مزدوج: اختزال الأبعاد الوطنية والسياسية والعقائدية والثقافية والعسكرية في الحرب على الإرهاب، في البعد الأخير بشكل شبه كلي، يساهم في ذلك بالطبع اختزال اخر لكافة القضايا والمسائل والصراعات والتوترات التي لها خصوصياتها ودينامياتها وأبعادها لتصبح فقط مجرد نتاج او انعكاس او تعبير لفكر إرهابي يحمل عنوانا جذابا ومختصرا عند المحافظين الجدد:

انها الاسلاموفاشية عنوان «المعركة العقائدية في القرن الواحد والعشرين». وهكذا يجري «قمع» أو تهميش قضايا الهوية والتحرير والتحرر ورفض الاعتراف بها كصانع لحركة الأحداث في الشرق الأوسط بشكل خاص. فتختفي القضية الفلسطينية مثلا لتصبح مجرد تعبير عن فكر وسياسة واستراتيجية إرهابية.

بعد سنوات خمس من الحرب على الإرهاب، زاد الإرهاب قوة وانتشارا وخطرا وتهديدا بعد ان نجحت تلك الحرب في اختزالها المزدوج كما اشرنا في توفير بيئة خصبة لنشوء الإرهاب.

وبعد خمس سنوات من السياسة ذات العنوان التغييري والتحويلي في الشرق الأوسط صارت الديمقراطية مرادفة للفوضى بعد ان اختصرت الديمقراطية بالانتخابات في العراق. وصار القمع مبررا للاستقرار والسلامة فكأنما الخيار بين الحرية والحياة.

فكان الخاسر الأكبر في هذه الحرب اكبر أعداء الإرهاب وصمام الأمان ضده وهم جماعات التغيير والإصلاح الكلي والحقيقي في الشرق الأوسط أصحاب المقاربة الشاملة لقضايا التحرير الوطني والتحرر و الديمقراطية المجتمعية.

بعد سنوات خمس من 11 سبتمبر لم يعد السؤال لماذا يكرهوننا. السؤال يجب ان يكون ماذا فعلنا حتى ازدادت الكراهية لنا. الجواب يحمل أكثر من خروج أميركا من مأزقها الراهن، الجواب يشكل بداية خروج الشرق الأوسط والعالم من المأزق الذي ساهمت في صنعه واشنطن والأهم يسمح ببداية النجاح في الحرب على الإرهاب.

كاتب لبناني