لا شك أنه أمر طيب أن نذهب للأمم المتحدة ومجلس الأمن وهناك حد أدنى على الأقل من التفاهم الداخلي المشترك بين «فتح» و«حماس» يفتح الباب لإنهاء حالة المعاناة الهائلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل الحصار المفروض منذ شهور.

وينزع فتيل الاقتتال الداخلي الذي كان الطرفان يسيران إليه، والأهم من الاتفاق على حكومة وحدة وطنية «تحترم الاتفاقات السابقة » هو الاتفاق على تقسيم العمل بحيث تهتم الحكومة في الأساس بالشأن الداخلي في القطاع والضفة، ويتم تفويض الرئيس محمود عباس (أبو مازن) ومنظمة التحرير الفلسطينية بمهمة إدارة المفاوضات.

ورغم معارضتنا لاتفاق أوسلو وملحقاته منذ البداية، فقد كنا بين قلة رأت في ذلك الوقت أنه إذا كان حدث ما حدث فإن التعامل بحرص ودون اندفاع غير مبرر هو أمر ضروري، وكان تقديرنا أن يبقى الرئيس عرفات في الخارج وان يدير عمليات التفاوض كرئيس لمنظمة التحرير، وأن يقيم في الداخل سلطة تتولى إدارة الشؤون اليومية للمواطنين.

لكن الرئيس « أبو عمار » رحمه الله كان له منهج آخر، وكان رهانه انه واسحق رابين سينجزان المهمة ويقيمان «سلام الشجعان» وأن أميركا جادة في دعم هذا الرهان.

أيضاً كان «أبو عمار» يخشى من ضياع نفوذ «فتح» في غزة بالذات، وكان يتصور أن عودته إلى الداخل هي القادرة وحدها على مواجهة النفوذ المتصاعد للحركات الإسلامية وفي مقدمتها «حماس»، وإعادة التلاحم بين «فتح» الداخل و«فتح» الخارج، وهو التلاحم الذي اصطدم بعد ذلك ببحث البعض عن النفوذ والمناصب، وبحث البعض عن الثروة والتعامل بمنطق المغامرين من رجال الأعمال لا بمنطق التضحية من أجل بناء الدولة في أصعب الظروف.

وقد انتهى كل ذلك بمأساة اغتيال أبو عمار بعد حصاره الطويل والمهين، وترافق ذلك مع اغتيال حقيقي للسلطة باعتبارها «المعبر» إلى الدولة الفلسطينية كما كان التصور.

ومع غياب أبو عمار وإطلاق العنان للآلة العسكرية الإسرائيلية لتخوض حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني بدعم أميركي كامل، ومع التماهي الذي حدث بعد 11 سبتمبر بين السياسة الأميركية والإسرائيلية، ومع اعتبار شارون بطلاً للسلام بقرار من الرئيس بوش، واعتبار كل الحركات المقاومة الفلسطينية حركات إرهابية بقرار من نفس الرئيس المؤمن..

سارت الأمور من سيئ إلى أسوأ، وعومل أبو مازن أسوأ معاملة رغم أنه كان الطرف الذي دعمته أميركا في البداية وفرضته على أبو عمار وانتزعت له معظم الاختصاصات قبل أن يخلفه في موقعه.

ثم جاءت الانتخابات الفلسطينية لتقلب المائدة على الجميع بالفوز الساحق الذي حققته حماس، والذي قابلته أميركا بفرض الحصار وحرب التجويع على الشعب الفلسطيني.. ولا حاجة لإعادة سرد الوقائع منذ هذه اللحظة الفارقة وحتى الاتفاق الأخير على حكومة الوحدة الوطنية الذي نأمل أن يكون بداية مرحلة جديدة في العمل الوطني الفلسطيني لا تحتمل الشقاق ولا التفرد بالقرارات المصيرية.

وطوال الشهور الصعبة الماضية كان اختيار إعادة ملف التفاوض إلى منظمة التحرير مطروحاً، ولكنه كان مطروحاً في إطار الصراع الدائر بين الرئيس أبو مازن وبين حكومة حماس، وكان طبيعياً ان يكون رد حماس: ولماذا الآن؟! ألم تكن أميركا وراء الضغوط الهائلة على أبو عمار ليتنازل (وهو رهن الحصار) عن معظم صلاحياته لرئيس الوزراء؟

وألم يكن الكل سعيداً بإضعاف المنظمة لصالح السلطة على اعتبار ان المنظمة تضم أطرافاً عارضت أوسلو، بينما السلطة مقيدة بالطريق الذي سارت فيه منذ نشأت نتيجة هذه الاتفاقيات التي لا تملك خروجاً عليها، حتى ولو ضربت إسرائيل بكل تعهداتها عرض الحائط، وحتى ولو كانت الحصيلة بعد كل هذه السنوات من التفاوض العقيم هي هذا الصفر الكبير وهذا الإعلان المدوي الذي انطلق أخيرا من ساحة الجامعة العربية بأن عملية السلام قد ماتت وشبعت موتا!!

كان رد حماس «طبيعياً» في ظل الصراع على السلطة، وسيظل كذلك إذا ظل الصراع يدور ضمن هذا الإطار. ولكن الأمر يختلف إذا خلصت النوايا وإذا كان طرح هذا الأمر يدور في إطار تقسيم الأدوار من أجل المصلحة الفلسطينية وحدها. هنا يصبح التشبث بالسلطة عبئاً على النضال الوطني، ويصبح الصراع بين الرئاسة والحكومة كارثة..

خاصة إذا كانت الرئاسة مجرد وهم، وإذا كانت الحكومة لا تحكم، وإذا كان الأمر كله خاضعاً لإرهاب الاحتلال الذي يبطش بالشعب، ولقسوة الحصار وحرب التجويع من نظام عالمي ظالم تقوده أميركا لصالح إسرائيل.

لقد تأخر الوصول إلى قناعة بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية طويلاً، فالأمر كان مطروحاً منذ الانتفاضة الثانية، وعندما تعثر تم طرح الجبهة الوطنية كبديل، ولكن الأمور لم تنجح في ظل صراع على سلطة وهمية وفي ظل تمسك كل طرف بـ «الاجندة» الخاصة به.

الآن يتم الاتفاق في ظل ظروف صعبة ولكن السؤال يبقى: هل ما يجري هو مجرد خضوع للضغوط، أم انه اليقين بأنه لا بديل من توحد الصف وفق برنامج عمل وطني يقسم الأدوار ويوزع الأعباء ويستغل كل الطاقات الوطنية في الوصول إلى الهدف ؟ هذا هو السؤال المركزي والإجابة عنه هي التي تحدد مدى قدرتنا على مواجهة التحديات الهائلة في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.

ولا شك أن الخطوة الفلسطينية على طريق الوفاق الوطني سوف تدعم الموقف الفلسطيني والعربي عند طرح القضية على مجلس الأمن. ومع ذلك فعلينا ان ندرك ان القرار في النهاية هو لواشنطن التي لا تريد ان تكتب بنفسها شهادة وفاة عملية السلام التي انفردت بها، والتي تعلن الآن مرة أخرى أنها لا توافق على إعادة القضية للشرعية الدولية، ولا ترحب بمؤتمر دولي آخر ينهي الانفراد الأميركى الذي لم يثمر شيئاً.

لكن ذلك يقابله قلق أوروبي مما يجري في المنطقة، وادراك بما كشفت عنه الحرب على لبنان من تآكل قوة الردع الإسرائيلية ومن تدهور صورة الولايات المتحدة عند شعوب المنطقة، ومن ضرورة الاتجاه مرة أخري إلى قلب المشكلة في فلسطين قبل أن تنفجر الأوضاع في وجه الجميع.

ولا شك ان واشنطن سوف تضغط بكل قواها من اجل بقاء انفرادها برعاية ما تسميه عملية السلام رغم الفشل الذريع على مدى سنوات طويلة، ومن اجل إدخال الفلسطينيين مرة أخرى في نفق «خارطة الطريق» التي لا توصل إلى شيء، ولا تستهدف إلا التفاوض من أجل التفاوض ومن أجل إتاحة الوقت لإسرائيل لاستكمال مخططاتها على الأرض.

و على نفس الخط ومن أجل قطع الطريق على أي مبادرة عربية يعلن أولمرت عن تنازل!! كبير باستعداده للقاء أبو مازن، كأن اللقاء في حد ذاته قد أصبح يمثل شيئاً، وكان البحث في سبل استئناف التفاوض مستقبلاً يمكن ان يمثل حلاً!!

أميركا وإسرائيل ينبغي أن تبلغا رسالة عربية واضحة بأن النهج الذي ساد في التعامل مع القضية الفلسطينية طوال الخمس عشرة سنة الماضية قد سقط، وان النظر إلى التفاوض في حد ذاته وكأنه إنجاز لم يعد ممكناً بعد ان رأى الشعب الفلسطيني نتيجة ذلك في استمرار التوسع الإسرائيلي على حسابه ومن أرضه.

وأن النظر إلى الشعب الفلسطيني وكأنه شعب من الإرهابيين يجري تأهيله لكي يستحق الاستقلال هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً،فالذي يحتاج للتأهيل هو إسرائيل التي تمثل إرهاب الدولة في أبشع صوره.

وفي هذا السياق يأتي الاقتراح المصري بأن يكون هناك اتفاق مسبق على الدولة الفلسطينية وحدودها ومحدداتها، ثم تأتي المفاوضات لتحقيق هذا الهدف. وهو ما يمثل انقلاباً على «خارطة الطريق» التي دعمتها الدبلوماسية المصرية والعربية طويلا والتي كانت تركز على ما تسميه «بناء الثقة» من خلال المفاوضات دون ان تحدد الهدف النهائي لهذه المفاوضات.

ولاشك ان النهج الجديد سوف تعارضه أميركا وسوف تقاومه إسرائيل بكل شراسة، ولكن الظروف مهيأة لأن يخوض العرب معركة سياسية من أجله، شرطها الأساسي ان تتفق الكلمة العربية، وان يكون الاتفاق الفلسطيني هو اتفاق على رؤية استراتيجية وليس مجرد هدنة بين الاخوة الأعداء!!

نقيب الصحافيين المصريين