بين الاعلان عن الاتفاق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، الذي صدر قبل ثلاثة أيام، وبين تشكيل هذه الحكومة بالفعل مساحة زمنية وفواصل من العقبات والصعوبات ما يزال من السابق لأوانه تحديدها، أو حتى التكهن بلحظة انتهائها. وإذا كان الاعلان، بحد ذاته، سببا لقدر من التفاؤل بامكانية انهاء المعاناة الفلسطينية الشاملة والمتواصلة منذ ما يقارب السبعة شهور، فإن الأبعاد والملامح المحيطة بالوضع السياس الداخلي في فلسطين من جهة والمعطيات الاقليمية والدولية لا سيما موقفي الولايات المتحدة واسرائيل من حكومة الائتلاف الفلسطيني المقبلة، من الجهة الأخرى - هذه الأبعاد وتلك المعطيات ربما لا تشجع على بث روح الأمل بحدوث تغيير ايجابي، من خلال المدى القريب على الأقل.

وقد تحدث المراقبون عن بوادر انقسام في المواقف بين الاتحاد الاوروبي من ناحية، والولايات المتحدة من الناحية الأخرى، فيما يتعلق بالاعتراف بالحكومة الفسلسطينية المقبلة: ففيما تفضل الدول الاوروبية، وفي طليعتها بريطانيا أن تقرأ ما بين سطور الاعلان الفلسطيني، وان تسعى الى إيجاد عناصر في هذا الاعلان ما يلبي المطالب الدولية الثلاثة للتعامل مع الحكومة الفلسطينية، خاصة وان الاعلان يستند الى وثيقة التفاهم الوطني التي تعتمد المبادرة العربية للسلام، فإن الولايات المتحدة واسرائيل تطالبان حماس بالاعتراف، صراحة ودون ابهام باسرائيل وبالتخلي صراحة كذلك عن العنف وقبول الاتفاقيات السلمية الموقعة من قبل اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، قبولاً واضحاً لا غموض فيه.

وفي ظل هذه التجاوبات التي أبسط ما يقال فيها أنها مؤشر على طريق مسدود آخر تتجه إليه الأزمة الفلسطينية الداخلية والخارجية، فإن المخرج الوحيد الممكن، اذا تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية العتيدة، يكمن في اما نزول واشنطن واسرائيل عن سقف مطالبهما وتفكيك الحصار ليس على حركة حماس فقط، بل على الشعب الفلسطيني الذي يعاقب جماعياً، في الوقت الذي كان خياره الاستراتيجي - منذ العام 1988 - هو السلام العادل عبر المفاوضات الثنائية.

وهناك الاحتمال الآخر، وهو أن تتبنى حركة حماس موقفاً أكثر براغماتية تجاه المطالب الاميركية - الاسرائيلية، ما دامت في سدة الحكم، وان تتعامل مع هذه المطالب بمرونة أكبر: لأن الأمر لا يتعلق بالايديولوجيا، وإنما بالعناصر الأساسية للحياة اليومية، لمئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني.

ان انجاز تشكيل الحكومة الوطنية الفلسطينية هو، كما يبدو، الحد الأقصى المستطاع لحركتي فتح وحماس، ضمن البرنامجين المختلفين لهاتين الحركتين. وإذا أدت العوامل الداخلية الفلسطينة، وتشبث »حماس« بثوابتها السياسية، والضغوط الاميركية - الاسرائيلية، المتمثلة في الحصار الاقتصادي والسياسي للسلطة الفلسطينية، إذا أدت تلك العوامل والضغوط الى افشال انجاز الحكومة المقبلة - إذا أمكن تشكيل هذه الحكومة - فان المجتمع الدولي مطالب بالقيام بمسؤولياته لانهاء المعاناة الفلسطينية. وحيث أن الحكومة المشتركة بين »فتح« و»حماس« كانت الجهد الفلسطيني الأكبر للالتقاء مع المطالب الدولية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، بالفعل هو: هل يكون تدويل القضية بدءاً بارسال قوات دولية الى قطاع غزة والضفة الغربية لحماية الشعب الفلسطيني، هو الحل الأخير لهذه المأساة الفلسطينية