ابتهاج الاشقاء العرب لا يقل عن فرحة اخوانهم اللبنانيين برفع كابوس الحصار الاسرائيلي عن صدر الوطن الجريح، وقرب انتهاء انسحاب الاحتلال من التلال الاستراتيجية في الجنوب اللبناني، مما يساعد على استعادة الحركة الطبيعية في يوميات اللبنانيين الساعين إلى ازالة آثار الحرب المدمرة·
ورغم موجة العطف والمساندة التي لقيها لبنان من الاشقاء والاصدقاء لرفع انقاض العدوان عن جبينه، وتأمين الدعم المالي الفوري لتأمين احتياجات الاغاثة والتعويضات الطارئة، فضلا عن هذا الاقبال الملفت للمشاركة في قوات "اليونيفل" المعززة من جانب دول اسلامية واوروبية تساهم في القوات الدولية لاول مرة، رغم كل تلك المؤشرات الايجابية لصالح الوطن الصغير، فإن ثمة حذراً أوروبياً في التعاطي مع ملفات القضية اللبنانية، وتشعباتها الاقليمية والدولية المعقدة، وذلك استنادا إلى تجارب سابقة دفع خلالها المجتمع الدولي، وخاصة الدول الاوروبية اثمانا باهظة على الساحة اللبنانية، التي تحولت منذ اربعة عقود ونيف من الزمن، إلى حلبة ملتهبة للصراعات الاقليمية والدولية·
ويعتقد أصدقاء لبنان من الأوروبيين ان امام الشعب اللبناني فرصة تاريخية نادرة لاخراج الوطن الصغير من أتون الصراعات المتشابكة في الشرق الاوسط، وذلك من خلال تفاهمات وتوافقات وطنية واضحة وحاسمة، على القضايا الداخلية ذات الامتدادات الاقليمية والخارجية، وفي مقدمتها مزارع شبعا، ومسألة بسط سيادة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية، حتى تمسك السلطة الشرعية وحدها بقرار الحرب والسلم، بمعزل عن أية اعتبارات أخرى·
ويرى خبير بريطاني مخضرم بالشؤون اللبنانية ومشاكل المنطقة ان هذا الاهتمام الدولي، اي الاوروبي بشكل خاص، لا يدوم طويلا اذا شعر الاوروبيون بأن اللبنانيين غير قادرين على تسوية اشكالاتهم الداخلية، وابتداع "التفاهمات الخلاقة" القادرة على تحصين الوضع اللبناني من الاختراقات الخارجية، مهما كان مصدرها، والتوافق على بناء الدولة الديمقراطية المتماسكة والقادرة على الارتفاع فوق مطبات المحاصصات والمطبات الطائفية والمذهبية·
ويعتبر هذا الدبلوماسي الذي عمل ردحا من الزمن في بعض عواصم المنطقة ان الوقت لا يعمل للاسف لصالح لبنان، وان أي تأخير أو تسويف في انتاج التوافقات المنتظرة بين اللبنانيين، من شأنه ان يعرض الوضع الهش إلى انتكاسة خطيرة لا يدرك حجم تداعياتها السلبية على الحالة الداخلية، الا الذين عايشوا انتكاسة القوات المتعددة الجنسية التي جاءت إلى لبنان اثر الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، واضطرت إلى مغادرة الاراضي اللبنانية على عجل، بعد انفجار الصراعات الداخلية، واستهداف مقري المارينز والقوات الفرنسية بعمليات انتحارية·
وكلام الدبلوماسي البريطاني المخضرم يتردد صداه في اللقاءات والمناسبات التي تجمع لبنانيين وعرباً تُلهب مناقشاتهم تحليلات الحرب الاسرائيلية على الوطن الصغير، وصمود الشعب اللبناني وحكومته امام شراسة العدوان الهمجي، واستبسال ابطال المقاومة في التصدي لقوات "الجيش الذي لا يقهر"، وبنود القرار 1701، والدور الوطني الكبير الذي يقوم به الجيش وقيادته المشهود بمناقبيتها وابتعادها عن الصراعات السياسية المحلية·
واللافت ان معظم النقاشات تدور على اهمية ان يتجاوز لبنان، وبسرعة مطلوبة، تداعيات الحرب النفسية والسياسية، وينطلق بخطوات حثيثة وملموسة في تجديد الوفاق الوطني وتحصين الجبهة الداخلية، في الوقت الذي يبقى المطلوب من الحكومة ورئيسها بالذات، العمل على تطبيق خطة البنود السبعة وما ورد في القرار الدولي حول وضع مزارع شبعا تحت ادارة الامم المتحدة، ريثما يتم الانتهاء من ترسيم الحدود مع سوريا، بالاضافة إلى ايلاء ملف الاسرى الاهتمام اللازم، حتى يصار إلى اطلاق الاسرى اللبنانيين مقابل الجنديين الاسرائيليين، وليتم بعد ذلك اقفال هذا الملف بين لبنان والدولة العبرية·
ورغم قلق بعض اللبنانيين في فترة الاشهر المقبلة الفاصلة عن موعد الاستحقاق الرئاسي في آخر الصيف المقبل، الا ان ثمة تفاؤلاً كبيراً لدى أطراف لبنانية وعربية على علاقة بمطابخ القرار في عدد من العواصم الاوروبية، بأن الوطن الصغير على ابواب الخروج من النفق المظلم الذي دخله غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وان ثمة مرحلة طويلة وراسخة من الامن والاستقرار ستعم على الوطن الصغير، يتسنى خلالها لاهله ولاشقائه واصدقائه الانصراف إلى ورشة إعادة إعمار ما دمرته الاعتداءات الاسرائيلية، واستعادة طعم الازدهار من جديد·
اينما ذهبت في عاصمة الضباب، التي تشرق شمسها هذه الايام على مئات الألوف من الزائرين العرب الذين جاء بعضهم إلى لندن بعدما اقفل العدوان الاسرائيلي الغادر الابواب في وجوههم، اينما ذهبت في العاصمة البريطانية، تسمع كلاماً مشجعاً وطيباً عن "أيام الخير التي تنتظر لبنان، اذا عرف اللبنانيون كيف يستخلصون الدروس والعبر من الحرب الاخيرة وما سبقها من حروب داخلية وسجالات سياسية عقيمة، ويقلعون عن تحميل الوطن الصغير والجريح ما لا طاقة له على تحمله من تبعات التفرد بقرارات الحرب مع الدولة الصهيونية·
لقد تحمل لبنان أوزار ثلاثة حروب مدمرة مع العدو الاسرائيلي خلال فترة ربع قرن ونيف من الزمن، ودفع اللبنانيون اثمان تلك الحروب من امنهم واستقرارهم، ومن دماء وارواح الرجال والنساء والاطفال، فضلا عن مسلسل التدمير الاجرامي الذي يطال القرى والمدن الآمنة والبنى التحتية التي يعاد بناؤها وترميمها بعد كل عدوان غاشم، وما يعقب كل حرب من موجات هجرة اصبحت تصيب كل المناطق، وتحرم البلد من خيرة شبابه وكوادره·
إلى متى يستطيع لبنان ان يتحمل وحده وزر المواجهة مع العدو الصهيوني؟ ولماذا تبقى الحدود الجنوبية هي الجبهة الوحيدة الملتهبة، في حين تغط الجبهات الأخرى في سبات عميق؟
وهل يجوز أن يبقى الوطن الجريح ساحة مفتوحة ومستباحة لتصفية حسابات الاطراف الاقليمية والدولية على ارضه وعلى حساب أمن وسلامة أبنائه؟
ثمة في لندن من يراهن على نجاح قيادة "حزب الله" والسيد حسن نصر الله بالذات، على ادراك اهمية ما حققه الحزب في المقاومة في تعزيز دوره السياسي في المرحلة المقبلة، في حال اعلان تحقيق اهداف المقاومة وطوي صفحة السلاح، بعد إطلاق الاسرى، وانسحاب الجيش الاسرائيلي من مزارع شبعا الذي ستوضع تحت الادارة الدولية وانتظار أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً في ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا·
ويعتقد أصحاب هذا الرهان إن تعامل "السيد" وإخوانه بواقعية ومرونة مع التحديات المطروحة امام الحزب في هذه المرحلة، من شأنه ان يعزز موقع حزب الله في المعادلة اللبنانية، ويفتح المجال واسعا لانطلاقته السياسية في المحافل العربية والدولية·
على اعتبار ان تحقيق اهداف المقاومة بتحرير المزارع واطلاق الاسرى، ووقف الانتهاكات الاسرائيلية الجوية والبحرية، يلغي مبرر الاستمرار في حمل السلاح، خاصة بعدما ابدى المجتمع الدولي تفهما حاسما في ترك موضوع سلاح حزب الله إلى التوافقات اللبنانية الداخلية·
وتخلص في نهاية المناقشات والتحليلات في لقاءات لبنانية وعربية في العاصمة البريطانية إلى استنتاج يدرك خطورته كل مواطن يعيش على أرض الواقع في وطنه:
لبنان على مفترق طرق: اما الخروج من النفق نحو مستقبل مستقر ومزدهر اذا احسنت قياداته سلوك طريق التوافق والانقاذ الوطني، واما البقاء في النفق حتى اشعار آخر في حال آثرت القيادات السياسية والحزبية وضع حساباتها ومصالحها الفئوية والحزبية قبل مصالح الوطن العليا!