أثارت التصريحات غير الموفقة للبابا بنديكت السادس عشر والتي أساء فيها إلى مفهوم الجهاد في الإسلام وإلى حقيقة انتشار الدين الإسلامي استياء عارما في أوساط المسلمين في كافة أنحاء العالم ، ليس تخوفا من هذه التصريحات على الإسلام الذي سيبقى الدين العظيم ولا يمكن لأحد أن يتمادى عليه ، ولكن لأن هذه التصريحات صدرت عن بابا الفاتيكان الذي يحظى بكل الاحترام والتقدير في العالم الإسلامي.

إن طبيعة الدين الإسلامي طبيعة منفتحة على كل الديانات ، والله سبحانه وتعالى يأمرنا باحترام جميع الأنبياء والأديان ولهذا لم يصدر عن المراجع الإسلامية ذات المصداقية والعلم الواسع اي تصريح سلبي نحو الدين المسيحي ، ولكننا نتابع في المقابل برنامجا من التصريحات المسيئة للإسلام والتي يتم إطلاقها في بعض الدول الغربية من اشخاص أعماهم الجهل والتطرف ، ولكن أن تصل الأمور إلى درجة أن يرتكب بابا الفاتيكان إساءة إلى الدين الإسلامي فهذا أمر لا يمكن تجاهله.

رد الفعل الغاضب في العالم الإسلامي مبرر ومنطقي بل وهو مطلوب أيضا نصرة لهذا الدين ونبيه ، ومن المهم أن تكون رسالة الاحتجاج الإسلامية واضحة وبينة ، مقرونة بالبراهين والدلائل على التاريخ الناصع للإسلام ومواجهة كل من يتهم الإسلام بالعنف بالوقائع الحقيقية التي تثبت عكس ذلك.

ان تاريخ الإسلام شهادة دامغة على أن ديننا كان دين العقل في مواجهة ظلمات العصور الوسطى والتعصب والتطرف الديني الذي منح تطور المعرفة في أوروبا ، وهو نفس التطرف الذي شهدنا منه مجازر ضد المسلمين في الحملات الصليبية بالرغم من الأخلاقيات العالية جدا لقادة الإسلام والتي يذكرها حتى المؤرخين المسيحيين أنفسهم.

ان العودة إلى القرن الرابع عشر كانت تتطلب من البابا ، صاحب الثقافة الدينية الواسعة أن يكون منصفا في ذكر الأدلة والبراهين والحالات التي تؤكد الاحترام الديني المتبادل وليس انتقاء نص شبه مجهول ومليء بالمغالطات ليساهم في تأجيج المزيد من الخلافات الدينية التي يبقى العالم كله في غنى عنها.

العالم يمر بأوقات حرجة ، والسياسة الدولية التي ينتهجها الغرب ، وبالأخص الولايات المتحدة وإسرائيل تساهم في محاصرة الطموحات الاستقلالية المشروعة للشعوب العربية وتتسبب في جرائم مستمرة ضد العرب والمسلمين مما يرفع من وتيرة الحساسية التامة لأية إشارة أو تصريح سلبي ضد المسلمين في العالم.

ان المسؤولية الدينية والأخلاقية التي يحملها بابا الفاتيكان بمنصبه ومكانته الدينية تتطلبان منه الحرص الشديد في انتقاء كلمته ، وحتى كلمات غيره لينطقها على لسانه عندما يتحدث عن المقارنة بين الأديان.

الغضب الإسلامي محق ، ونحن نساند جميع هذه الدعوات التي تطالب بابا الفاتيكان بالاعتذار الفوري غير المشروط وغير القابل للتبرير وهوالإجراء الوحيد الذي يمكن أن يلغي الأسباب الجوهرية لهذا الغضب الإسلامي المشتعل ، وهو الإجراء الوحيد المطلوب لحماية علاقة الاحترام المتبادل بين الدين الإسلامي والدين المسيحي في إطار حوار الحضارات والتفاهم بين الأديان بما يكفل مصلحة مليارات الناس من المسلمين والمسيحيين الذين عاشوا في وئام وتفاهم ويشتركون في الكثير من القيم الإنسانية والأخلاقية.

ان الأردن الذي يفخر بالتعايش الوطني التاريخي الذي لا يمكن زعزعته بين المسلمين والمسيحيين في قرى الأردن ومدنه يؤكد أن تصريحات البابا المرفوضة لا يمكن أن تمثل أو تعكس قناعات وآراء مسيحيي الشرق العربي الذين كانوا دائما في طليعة الرواد في القضايا النضالية القومية والإسلامية وفي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي واية محاولات للإساءة إلى الدين الإسلامي في مرحلة ما بعد 11 أيلول.

ان تصريحات البابا تبقى في خارج سياق العلاقة العضوية بين الإسلام والمسيحية في الشرق العربي ولن تزيدنا إلا مزيدا من التوحد والرفض للمحاولات المشبوهة لوصم الإسلام بالعنف خدمة لأهداف السياسات الصهيونية - المحافظة التي تهدف إلى السيطرة السياسية والاقتصادية على العالم الإسلامي.