بابا الفاتيكان اعتمد لغة الحرب الصليبية، لأنه لو يملك منطق الحكمة وتعايش الشعوب واحترام عقائدها وتقاليدها، وإدراك أن حساسية التقوّل على الدين الإسلامي من أعلى رتبة دينية مسيحية، لا يعني فقط الوقوع بخطأ، وإنما بافتعال حرب كبرى..
ولعل الإسلام الذي احترم الأديان، والذي جعل من نبيي المسيحية واليهودية يحظيان بالقداسة، ويرفض من أي مسلم التعريض بهما نجد كيف امتزجت روح النازية التي يمثلها البابا الجديد بمتعصبي الكنيسة الكاثوليكية، ولعله أمر غريب كشف حقيقة ما كان مسكوتاً عنه، وما كان يدور في عقول الكثيرين ممن كشف أوراقهم البابا الجديد..
إذا كانت المسيحية ديانة المحبة، كما يفترض، أو يقول به المنتمون لها، فهل يمكن فتح ملفات الحروب وكيف أبيدت شعوب وحضارات، وتم مسخ أديان وعقائد وأثيرت نعرات بسبب المسيحية.. ولذلك فإن فتح الباب للمحاسبة وكشف الخطايا يمكن أن يضع تاريخ المسيحية بالتساوي مع العديد من الممارسات التي لا تنتمي للإنسانية، وقواعدها، واحترامها للحقوق والواجبات من خلال أشخاصها وممثليها الذين جاء آخرهم البابا الجديد..
نحن نرفض حروب الأديان من أي مصدر كان، وقد نادينا كثيراً بحوار الحضارات والأديان، وقلنا ان الأمم الموحدة يمكنها الانتصار على خصومات التاريخ والتعايش بسلام، لكن أن يأتي البابا الألماني بنزعة جديدة يتهم الإسلام عقيدة، وإنساناً وتراثاً فالمسألة لا توضع في سياق مشروع تبادل الآراء، أو التحفظ عليها، أو نقدها لأننا نرى تعمداً للإساءة واختراقاً لأدبيات أي رجل دين يحترم مبادئه ويقر بحق الأديان الأخرى،
لكن البابا اختلطت عليه المشاعر، فهو حاول استجلاب حروب الماضي بإطار سياسي تغلفه الكنيسة، وهذا يعني أن محاولات التواصل بإحداث تغييرات في سلوك القادة الدينيين، لا يرقى لتفكير الشعوب الناضجة، أثبت أنه مهما تقدمت الحضارات، ووضعت ركائز الحريات والديمقراطيات فهي تُعنى فقط بعرق ودين، ولا تنطبق شروطها على الديانات والشعوب الأخرى.
لقد فتح البابا المعارك، وسواء اعتذر أو كلف مرجعياته الأخرى بالاعتذار وطرح أفكار تحاول أن تفسر أقوال البابا بطرق مقبولة، فالعالم الإسلامي ووجه بموقف لا يقبل التحريف، إذ ما قاله البابا مخطط له ومحسوب بردات فعله، ومبيت الغاية والهدف، وهو بهذا الأمر يجازف بعلاقات لا ترسمها الحكومات، أو تحركها الدبلوماسيات، إنما تغذي عداءها مراجع دينية عليا تحسب عليها كل كلمة وسلوك، وبغض النظر عن الاتجاه الذي يريده البابا، فقد وضع أقدامه على النار، وقد يجر المسيحيين والمسلمين باتجاه لا توقفه النوايا الحسنة، أمام السيئات الكبرى التي جلبها رأس الكنيسة معه، ومع تأكيدنا على احترام الديانات التوحيدية، فإن زلات البابا غير مقبولة ومرفوضة شكلاً وموضوعاً..