كنت في أميركا أثناء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، عايشت الحدث وملابساته وتوابعه، عايشته من داخل المجتمع الأميركي ومن خلال التحولات السياسية واليومية التي نجمت عنه، حيث يمتزج العام بالخاص، والذاتي بالموضوعي، وحيث يستحيل الفصل بينهما، مهما ادعى دعاة العقلانية المبتذلة والموضوعية اللا إنسانية. حينما اتصل بي صديقي يخبرني بما حدث صبيحة الحادي عشر من سبتمبر، هرعت إلى التلفاز مشاهداً ما يحدث وكأنه جزء من مشاهد العنف المختلفة التي لا تنقطع عن ماكينة الإنتاج السينمائي الأميركي.

تسمرت أمام التلفاز لساعات طويلة، بل لأيام عديدة، أشاهد ما يحدث، وأستمع لترهات الإعلام الأميركي وهى تصم آذاني ليل نهار عن العرب والمسلمين، عن الإسلام وعن التاريخ وعن الحضارة، وعن ضرورة إعادة خلق العالم من جديد وفقا للأهواء الأميركية الجديدة. ماذا حدث في أميركا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهل اختلفت أميركا بعد الحدث.

وهل أصبحنا تجاه مواطن أميركي جديد يفقه ما حوله، ويتخلص من بلادة معرفته وإحاطته بما يحدث له وللآخرين. تساؤلات كثيرة طالعتني وأنا أتذكر ما حدث منذ خمس سنوات، شاهد عيان لأحوال المجتمع الأميركي عقب هذا الحدث اللطمة في التاريخ الأميركي المعاصر، إن كان للأميركيين من تاريخ قديم أو حديث أو معاصر!!

لم يكن تأثير الحدث بمثل هذا التضخيم الذي نقلته لنا وسائل الإعلام الأميركية المختلفة على الحياة اليومية للأميركي العادي. علينا أن نضع في الاعتبار أن الحدث أصاب مدينتين أميركيتين فقط، هما نيويورك وواشنطن العاصمة.

صحيح أن الأولى هي العاصمة المالية والثانية هي العاصمة السياسية، لكن في بلد في حجم وضخامة أميركا لا يمكن أن ينتقل أو ينسحب تأثير ما يحدث في ولاية ما على باقي الولايات الأميركية الأخرى.

ورغم ذلك لا يمكن التقليل من ضخامة وتأثير الحدث على بلد كأميركا تمسك بزمام العالم وتقدر مصائره، فلم يعتد الأميركيون أن يتم ضربهم ومهاجمتهم في عقر دارهم. العكس هو الصحيح، أن يذهب الأميركيون ويتجولون في بقاع الأرض، يهاجمون من يهاجمون، ويقتلون من يقتلون، ويقتلعون من يقتلعون، ويرسمون مصائر العباد والبلدان والأوطان. من هنا، فلم يتوقع الأميركيون أن يأتي من يهاجمهم في عقر دارهم، ويلطمهم تلك اللطمة المهولة.

فقد كان الأميركيون يتصورون أنهم في منعة من العالم طالما أنهم داخل حدود أميركا، فمن ذا الذي تسول له نفسه أن يهاجم أميركا، ويمسها بسوء. صحيح أن الأميركيين ذاقوا الكثير من الهزائم خارج حدودهم في فيتنام وكوريا والصومال ولبنان وأميركا اللاتينية وربما العراق، لكن كل ذلك كان نتيجة لإرسالهم قواتهم خارج حدودهم، ودفعهم ثمن هذا التوسع والامتداد والتوغل.

ورغم أنهم ذاقوا الكثير من مرارة الامتداد والتوسع خارج حدودهم، لكنهم في المقابل جنوا الكثير من عناصر القوة والهيمنة، وربحوا مئات المليارات. فلا يمكن تصور هذا المستوى الاقتصادي المترف الذي ينعم به الأميركيون من دون الامتداد الأميركي المعاصر فيما وراء الحدود واستغلال الآخرين وتسخيرهم من أجل المصالح الأميركية السياسية والاقتصادية على السواء.

يصمت الأميركيون العاديون إذا ما حققت قواتهم انتصارات خارجية سريعة، توفر لهم المزيد من النفوذ والهيمنة العالميتين، لكنهم يتظاهرون إذا ما خسروا أبناءهم، وخسروا قواتهم خارج حدودهم. من هنا فالمسافة في الغالب بين الإدارة الأميركية والكثير من أفراد الشعب الأميركي ليست كبيرة. فبقدر المكاسب التي تحققها الإدارات الأميركية في الخارج، بقدر التوحد الشعبي معها، وعندما تتحول هذه المكاسب إلى خسائر ساعتها يتحول هذا التوحد الشعبي إلى مظاهرات تحيط بالبيت الأبيض، تدعو إلى عودة القوات، وتحجيم المد الأميركي العسكري.

ولعل تلك المحاولات التحليلية، وبشكل خاص في عالمنا العربي، والتي تفصل بين الأميركي العادي وبين الإدارات السياسية المختلفة، تغض الطرف كثيرا عن تلك التوجهات الأنانية للكثيرين من المواطنين الأميركيين الباحثين عن مصالحهم الاقتصادية اليومية بغض النظر عما تقوم به إداراتهم السياسية المختلفة ضد الكثير من شعوب الأرض.

فلم يعارض الأميركيون إدارتهم السياسية بعد الانتصار السريع في العراق، لكن تعالت أصواتهم الآن، وبشكل متعاظم، بعد نزيف الخسائر البشرية المستمر في العراق.

ويمكن تفهم هذا التصور في ضوء ما حدث في نيويورك، فأميركا القارة لا تسمح لأبنائها بتلك المشاعر التي يستشعرها أبناء الشعوب الأخرى، آخذين في الاعتبار أن أميركا كوطن ما هي إلا إدماج للعديد من شعوب الأرض فيها تحت مسمى الحياة الرغدة وحلم الأرض الموعودة.

من هنا فلا يمكن تعميم ما حدث في نيويورك على جميع أرجاء المجتمع الأميركي، إلا من خلال الدور الهائل الذي لعبته ماكينة الإعلام الأميركية في تغليف وتعليب المواطن الأميركي المغلف والمعلب سلفا بوطأة الإعلام من ناحية، وبسذاجته المعهودة في إلمامه بما يحيط به من أحداث ومتغيرات عالمية من ناحية أخرى.

سارت الأمور في معظم الولايات الأميركية على طبيعتها إلى حد كبير، وهو الأمر الذي دفع بالساسة والمسؤولين الأميركيين إلى تسخين تلك الحالة وهذا الحدث من خلال تنظيم اللقاءات الجماهيرية والندوات الفكرية والأنشطة الرياضية بغية تفعيل الحدث، وتعميم ظلاله على كافة أرجاء المجتمع الأميركي.

ولا يغيب عن الأذهان هنا ما يمكن تسميته بالاتجار بالوطنية، حيث استفادة البعض من الحدث تجاريا من خلال استيراد مليارات الأعلام الأميركية في ذلك الوقت، وبيعها للمواطنين الأميركيين الذين حشدتهم الإدارة الأميركية من أجل دعمها، ومن أجل التسريع بالحرب على الإرهاب، وصيانة الهيبة الأميركية الجريحة.

استمرت الحياة اليومية بدرجة أو بأخرى في مسيرتها من دون أن تتأثر بالحدث. صحيح أن الحدث كان على طاولة النقاش في كل مكان، في الجامعات والمدارس والمصالح الحكومية والمؤسسات الخاصة والبرامج التليفزيونية، لكن الطبيعة العملية الأميركية، طبيعة المكسب والخسارة، لم تكن لتسمح بانهيار الحياة اليومية وممارساتها المختلفة.

ومما ساعد على استمرارية هذه الحياة اليومية الأميركية، رغم ضراوة وجسامة الحدث، أن الأميركي العادي غير معني بالأحداث السياسية المحلية أو العالمية. ربما يشغله الحادي عشر من سبتمبر لبرهة من الزمن، لكنه يبحث بعد ذلك، عن مصالحه اليومية، حيث تشغله الضرائب والسيارة والقروض والديون وهموم الحياة اليومية الأخرى، بشكل يجعله بعيدا تماما عن الإلمام بهذه المتغيرات المحلية والعالمية.

وبقدر ما كان الحدث غير مؤثر على مستوى الحياة اليومية العادية، فقد كان مؤثرا على مستوى الإعلام الأميركي. فقد لعبت الترسانة الإعلامية الأميركية دورا هائلا في تشكيل الوعي الأميركي بالحدث.

وكان الهدف واضحا، وهو حرب ضروس على الإسلام والمسلمين والعرب، وإعادة تنميط العربي بشكل أكثر وضوحا وكثافة بوصفه الإرهابي البغيض الذي يجب محاربته والنيل منه. صحيح أن هناك بعض المواطنين الأميركيين العقلاء الذين لم تجرهم ماكينة الإعلام ورائها، لكن عموم الشعب الأميركي تم جره وسحبه وراء ترهات وسموم الإعلام الأميركي البغيض.

لقد دفع العرب والمسلمون في أميركا ثمنا هائلا على المستوى النفسي من جراء تلك الملاحقات الإعلامية الأميركية المحمومة، حيث التزمت النساء المنازل، ولم يخرجن إلا في سبيل إنجاز عمل مهم لهن. بل إن البعض منهن قد خلعن حجابهن من أجل تجنب ما يمكن أن يتعرضن له من ألفاظ وسباب وملاحقات من الأميركيين العاديين في الشارع اليومي.

كما أن التلاميذ العرب والمسلمين في المدارس والطلاب في الجامعات قد تعرضوا لملاحقات لفظية صفيقة واعتداءات بدنية عديدة من الكثير من المواطنين الأميركيين العاديين. ورغم أن الإعلام الأميركي قد وصلت به التهويلات إلى الحديث عما أصاب الأطفال الأميركيين من كوابيس مرتبطة بأحداث سبتمبر، فإننا لم نسمع في هذا الإعلام القميئ أي شيء يختص بما تعرض له العرب والمسلمون في الكثير من أرجاء أميركا.

لقد كان الحدث أقرب في إعادة صياغته لسيناريو إعلامي مبتذل أضفي ضخامة وتأثيرا كبيرا على مستوى الصورة، أكثر من التأثيرات الحقيقية على مستوى الشارع اليومي الأميركي. لقد عادت الحياة الأميركية سيرتها الأولى بفضل جهل الأميركي العادي الذي لا يهتم سوى بشؤون حياته اليومية وقروضه وديونه، والذي يهلل لحكومته إذا ما انتصرت، ويصب عليها جام غضبه إذا ما انهزمت.

لم يتغير الأميركيون ولم تتغير حكوماتهم، بل ازدادوا صلفا وغطرسة وفجاجة، اللهم امنحنا بعض صلفهم وغطرستهم وفجاجتهم، وامنحنا القدرة على أن ننحي الحديث عن السلام المبتذل جانباً!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com