شكل الوفاق الفلسطيني الداخلي والذي توج قبل يومين بإعلان الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وفق الثوابت التي أكدتها وثيقة الأسرى، خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن كانت متأخرة بعض الشيء، وسببت نزفاً فلسطينياً داخلياً وضياعاً للجهد وذريعة إضافية لإسرائيل لإبقاء المسار السياسي مجمداً إلى أجل غير مسمى.

وصيغة التوافق الفلسطيني الجديدة، بنيت بالأساس على توافق داخلي جنب حركة «حماس» حرج الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وأعاد الملف التفاوضي إلى مكانه الطبيعي وهو منظمة التحرير الفلسطينية.

وساهم في تعجيل هذا الاتفاق الجهد الإقليمي العربي الذي قدم الدعم السياسي اللازم للأطراف الفلسطينية لتصل إلى صيغة داخلية تجنبها البقاء رهينة للحصار الدولي بما يصب في مصلحة إسرائيل في النهاية، كما كان للدعم المادي العربي الأهمية بمكان لتخفيف الأعباء الاقتصادية التي وصلت بالفلسطينيين في الأسابيع الأخيرة إلى حافة الانهيار.

والآن أصبح، يمكن الحديث عن تهاوٍ للحصار بقبول الاتحاد الأوروبي للبرنامج الجديد لحكومة الوحدة، واستعدادها استئناف تقديم المعونات التي التزمت بها بصفتها طرفاً من أطراف الدول المانحة.

وبقدر ما يعتبر الإعلان عن تشكيل حكومة الائتلاف الوطني تاريخياً، لأنه يوّحد داخل الإطار الرسمي كل المكونات السياسية، لأول مرة منذ عشرين عاماً، يعتبر أيضاً وفي الوقت ذاته، انتصاراً لخط الاعتدال السياسي والعقلانية والواقعية السياسية.

ورغم انه لم تتضح حتى اللحظة طبيعة التشكيلة الحكومية، إلا ان حقائق خاصة بهذا التشكيل قد تبدو أكثر من متوقعة، أولها ان رئاسة الحكومة حسمت لحماس من خلال شخص إسماعيل هنية، ولأجل هذا سيضطر الرئيس عباس لإقناع بعض دول الجوار لسحب تحفظاتها. ثانيها ان عنوان السلطة ومقر سياستها، سيكون الرئيس باعتباره رئيس السلطة.

وبعد هذه الخطوة، أصبح بإمكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يحمل برنامجاً سياسياً مدعوماً من المبادرة العربية والتي ستقدم بعد أيام في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووفق هذه المعطيات اكتملت جميع الظروف والمعطيات التي تدعم المسار الفلسطيني والعربي لإعادة إحياء عملية السلام مجدداً.

إلا ان هذا التفاؤل لا يعني بالضرورة رمي الكرة بالكامل في الملعب الإسرائيلي المراوغ، وحكومة أولمرت على أي حال استبقت المبادرة العربية، من خلال تسويقها مبادرة «الحل الوسط»الإسرائيلية الجديدة، البديلة لخطة «خارطة الطريق» والتي هي أصلاً تهاوت منذ مدة تحت وطأة المطالب والشروط الإسرائيلية.

كما أن الخطة الجديدة تمثل شكلاً جديداً لخطة «التجميع» التي طرحها أولمرت سابقاً قبل الحرب على لبنان، قبل أن يتراجع عنها هو ذاته.

وإذا ما لقيت إسرائيل الآذان الصاغية من واشنطن لخطتها الأمنية الجديدة في الضفة الغربية، والتي تستبعد أي استئناف لعملية السلام، فإن خطة أبو مازن للسلام والمبادرة العربية الجديدة لن يتعديا مجرد اقتراحات ما لم يتبناها المجتمع الدولي وقد يكون قراراً صادراً عن الجمعية العامة المقبلة، ضمانة دولية قد تسهم في جعل مواقف واشنطن أقل انحيازاً لإسرائيل!