(ضوء في نهاية النفق الفلسطيني ) هذا هو الانطباع الأولي لرجل الشارع الفلسطيني وهو يرى تباشير فجر جديد يحاول البزوغ، طاويا خلف جناحه حلاك ليل طويل قاسى منه وخلاله الكثير من الويلات.
خيوط الفجر الجديد تحاول أن تنسجها السلطة الفلسطينية مع بقية الفصائل عبر اتفاق الجميع على تشكيل حكومة وحدة وطنية.
الخطوة التي عبر عنها محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، وإسماعيل هنيه رئيس الحكومة، جاءت بعد مخاض عسير دفع ثمنه كل الفلسطينيين، نتيجة توقف المساعدات الأوروبية والأميركية، بدعوى قيادة حركة حماس لمقاليد الأمور.
وبغض النظر عن خطأ الرؤية الغربية والتعاطي بغير مكيال حينما يتعلق الأمر بالخيار الديمقراطي للمواطن الفلسطيني ، فان الأهم الآن بالنسبة لهذا المواطن هو كيفية المحافظة على الضوء الذي لاح أخيرا في نهاية النفق ، وترجمة ماتم الاتفاق عليه إلى خطوات عملية تزيح عن كاهله أعباء شهور عجاف لامست حياته من جميع جوانبها.
فالوضع المعيشي للإنسان الفلسطيني البسيط تجاوز كل الأرقام، وفى هذا السياق جاء تحذير مجلس التجارة والتنمية ( الاونكتاد ) من خطورة هشاشة الاقتصاد الفلسطيني بعد خضوعه لعملية نكوص في التنمية، وهي عملية لم تزدها الأحداث التي وقعت أخيرا بالمدن الفلسطينية إلا تسارعا وعمقا. تقرير (الاونكتاد) الذي سيعرض على مجلسها خلال اجتماعه المقبل في جنيف، ذهب إلى أبعد من ذلك.
حيث حذر من أن اقتصاد الأرض الفلسطينية قد أصبح على حافة الانهيار، بعد أن تقلص الدعم المقدم من الجهات المانحة، كما توقع التقرير الدولي أن يبلغ دخل الفرد الفلسطيني عام 2006 نصف مستوياته عام 2000 ، كما ستتراجع أحوال أسرتين من كل ثلاث أسر إلى مادون خط الفقر .
هذه هي الصورة الحقيقية للواقع الفلسطيني بغض النظر عن أسبابها، الأمر الذي يفرض على المسؤولين وصناع القرار الفلسطينيين الارتفاع إلى مستوى التحديات التي قد تعصف بمقدرات هذا الشعب الذي ضاق ذرعا بكل مامن حوله ولسان حاله ينادي رب العزة سبحانه قائلا : لمن تكلني .. إلى قريب يتجهمني ... أم إلى بعيد ملكته أمري.
وإذا كان (البعيد الأوروبي) قد بدأ يخفف من حصاره للفلسطينيين، وأعرب عن رغبته في رفع هذا الحصار بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية، فان ( القريب العربي ) مطالب بما هو أبعد من ذلك كثيرا ...
فالفلسطينيون وبغض النظر عن انتماءاتهم وأطيافهم السياسية في حاجة اليوم إلى دعم الأشقاء العرب والمسلمين أيضا لاجتياز هذه المحنة ... دعم يتخطى نطاق تقديم المعونات الاقتصادية والعينية، ليأخذ بالأيادي التي أضاءت النفق واحتضانها ومساعدتها في الوصول إلى حلول لاتفرط بالضرورة في الثوابت الفلسطينية وتعيد للإنسان الفلسطيني كبرياءه وكرامته وعزته.
أما تل أبيب وواشنطن، فان التعويل على أي منهما يعد ضربا من الجنون الذي لا يؤدي بالضرورة إلى نتيجة، فشروط اسرائيل الثلاثة التي تطالب حماس بالاعتراف بها وباتفاقيات السلام الموقعة والتخلي عن المقاومة المسلحة، هذه الشروط تؤيدها أيضا الولايات المتحدة التي لم تر حتى الآن أي جديد في ولادة حكومة وحدة وطنية فلسطينية.
وفى ضوء هذا الواقع، فان عامل الحسم يظل بيد القيادة الفلسطينية المحاطة بدعم عربي ينظر إلى حكومتها المنتظرة على أنها عامل مكمل لمبادرة السلام العربية التي انطلقت عام 2002 ورديف جيد للتحرك العربي الحالي في مجلس الأمن رغم المراوغات الإسرائيلية والفتور الأميركي تجاهها.
haniihanii@hotmail.com