يعتقد الباحث الاستراتيجي باسكال بونيفاس أن الحدث الأهم الذي شهدناه مؤخراً ليس 11 سبتمبر على الرغم من طابعه المذهل بل وحتى الخيالي السينمائي وإنما سقوط الاتحاد السوفييتي وجدار برلين والشيوعية عام 1989 وما بعده بقليل.

وإذا كنا لا نقلل من أهمية هذا الحدث الضخم الذي ختم الحرب الباردة وأنهى سبعين سنة من النظام الشيوعي إلا أننا نعتقد أن لـ 11 سبتمبر خصوصيته وأهميته التي لا تقل خطورة ضمن مجرى التاريخ الكوني.

فإذا كان عام 1989 قد ختم القرن العشرين حتى قبل أن ينتهي بعشر سنوات فإن شهر سبتمبر من عام 2001 قد دشن بالفعل القرن الواحد والعشرين. وبالتالي فكلاهما مهم دون أن ندري من هو الأهم في ميزان التاريخ.

مثقفو الغرب في أغلبيتهم الساحقة يتفقون على القول بأن الحدث الأول أنهى صراع الديمقراطيات الغربية الليبرالية الدستورية مع التوتاليتارية الشيوعية. هذا في حين أن الحدث الثاني فتح الصراع على مصراعيه مع توتاليتارية أخرى لا تقل هولاً وجبروتاً هي الأصولية الراديكالية المنحرفة عن الإسلام الحنيف، ولكنهم يختلفون على طريقة المعالجة أو المواجهة مع هذه الايديولوجيا التوتاليتارية الجديدة.

فبعضهم يدعو إلى استخدام القوة الناعمة: أي التربية والتعليم والتفاعل الثقافي ومساعدة العالم الإسلامي على نفض غبار الزمن عن نفسه وتجديد مناهجه وأفكاره وبرامجه التعليمية. ونلاحظ أن معظم مثقفي أوروبا وأميركا يمشون في هذا الاتجاه.

نضرب عليهم مثلاً بنيامين باربير الأستاذ في جامعة نيويورك وصاحب الكتاب المعروف عن «الجهاد ضد العولمة الاستهلاكية الأميركية».

وهو مقرب من بيل كلينتون والجناح الليبرالي المستنير في الحزب الديمقراطي. ولكنهم لا يستطيعون أن يرفعوا صوتهم كثيراً لأن ضربة 11 سبتمبر كانت من القوة والهول بحيث إنها لم تترك للعملاق الأميركي مجالاً إلا الرد عليها بأحسن منها...

وبعضهم يدعو إلى استخدام القوة الخشنة، أي القوة العسكرية والتكنولوجية الضاربة للولايات المتحدة الأميركية. ويقف في طليعتهم بالطبع جورج بوش والمحافظون الجدد الذين ما كانوا بحاجة إلى ضربة 11 سبتمبر لاستخدام سياسة العصا الغليظة ضد الآخرين..

ونلاحظ أن مفكري الغرب وساسته لا يزالون يتأرجحون بين هذين الموقفين المتضادين. وبعضهم يدعو إلى الجمع بينهما: أي ضرب الجماعات الأصولية بدون هوادة والتعامل مع القوى الوسطية أو العقلانية في العالم الإسلامي في ذات الوقت.

وهذا هو الخط الذي سينتصر في الواقع، بل إن القيادة الأميركية نفسها ابتدأت تمارس هذه السياسة منذ فترة ليست بالقليلة. فقادة واشنطن ليسوا كلهم متهورين على عكس ما يشاع عندنا في العالم العربي.

ولكن حجم الضربة التي تلقوها صبيحة 11 سبتمبر أفقدهم صوابهم لفترة.. وهذا شيء مفهوم في ردود الفعل. ولكنه غير مفهوم إذا استمر على طول الخط. فبعد السكرة تجيء الفكرة كما يقول المثل.

بالأمس استمعت إلى كلام أحد حكماء فرنسا ورئيس وزرائها الأسبق الديغولي إدوار بالادور عن 11 سبتمبر. ووجدت أن تحليله لأسبابها متوازن وعميق. يقول الرجل بما معناه: لقد سيطرت أوروبا على العالم منذ خمسة قرون.

وقد استعمرته من الهند، إلى الصين (شنغهاي)، إلى إفريقيا، إلى العالم العربي والإسلامي، الخ... والآن جاء رد الفعل ضد الهيمنة الأوروبية التي تلتها الهيمنة الأميركية التي هي من نفس الجنس لأن أميركا في نهاية المطاف هي بنت أوروبا بحسب عبارة شهيرة للجنرال ديغول.

يضاف إلى ذلك أن جميع الشعوب تشعر نحو الغرب بعقدة النقص بسبب تفوقه عليها من كافة النواحي وتمتعه بثمار الحياة الاستهلاكية وجنة الحداثة. ولكن الشعوب التي كانت مستعمرة سابقاً من قبل الغرب لا ترد على ذلك الهوان بنفس الطريقة. فالهنود مثلاً أو الصينيون يردون بطريقة حضارية. كيف؟ عن طريق تنمية أنفسهم اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً.

وهم يحققون الآن قفزات هامة في هذا المجال. وهكذا ينتقمون من الغرب عن طريق اللحاق به حضارياً وعلمياً وتكنولوجياً وليس عن طريق وضع القنابل في باصاته او مخازنه أو بناياته. وهذا هو أفضل انتقام في الواقع وأكثره بقاء ورسوخاً.

وأما الشعوب العربية والإسلامية ـ أو قل الجناح المتزمت والمتطرف فيها ـ فإنه يرد بطريقة وحشية، همجية، لا حضارية. كيف؟ عن طريق التفجيرات الإرهابية المباغتة في نيويورك أو واشنطن أو مدريد أو لندن أو بالي بأندونيسيا أو شرم الشيخ، الخ...

لكن إدوار بالادور لا ينسى أن الشعوب العربية أولاً والإسلامية ثانياً مجروحة من الغرب أكثر من غيرها بسبب مأساة فلسطين. ولذلك فإنه يدعو القادة الكبار في أوروبا وأميركا إلى حل هذه المسألة الشائكة التي طال أوانها واستعصت على الحل.

إن الشخص الذي يقول هذا الكلام ليس عجوزاً معتزلاً العمل السياسي وإنما هو رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي.

وبالتالي فله كلمته فيما يخص بلورة الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الفرنسية. ويؤيده في ذلك جاك لانغ، أحد قادة الحزب الاشتراكي المرشح لاستلام السلطة بعد شيراك.

فهو قد شغل الساحة الفرنسية طيلة الأسبوع الماضي بتصريحاته المتفهمة للقضايا العربية. ودعا الإسرائيليين وأصدقاءهم في فرنسا إلى القبول بإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية.

كما دعا قادة الغرب وإسرائيل على حد سواء إلى الاعتراف بكل قوى الشعب الفلسطيني بما فيها حماس ورفع الحصار عن هذا الشعب.. فهذه هي الطريقة الوحيدة لتحجيم التعاطف الشعبي مع القوى الأصولية والإرهابية المتطرفة داخل العالم العربي وخارجه.

هل يعني ذلك أن دماء ضحايا 11 سبتمبر وآلام عائلاتهم ومحبيهم لم تذهب سدى؟ هذا ما نعتقده ونرجوه. بهذا المعنى فإن 11 سبتمبر، كحدث تاريخي، ليس موجهاً فقط إلى العرب والمسلمين، وإنما هو موجه أيضاً وبنفس الدرجة إلى الأميركان والأوروبيين. فقد سكتوا كثيراً على الظلم والقهر في فلسطين وآن الأوان لكي يستفيقوا من غفلتهم وسكوتهم على الباطل.

ولكن يبقى صحيحاً القول إن 11 سبتمبر الذي «حلت» ذكراه الخامسة قبل أيام موجه بالدرجة الأولى إلى العالم الإسلامي. فقد آن له أن يستيقظ من سباته الدوغمائي الطويل. آن له أن يستيقظ من نومة أهل الكهف!. كل الفقه الطائفي والمذهبي القديم الذي تستخدمه «القاعدة» لتكفير الناس شرقاً وغرباً، أصبح الآن على المحك.

كل الفقه الظلامي للقرون الوسطى أصبح خارج قوس لأنه لم يعد ملائماً لزماننا ومكاننا وحاجياتنا في بدايات هذا القرن الواحد والعشرين. بل لقد أصبح حجر عثرة في وجه التقدم العربي والإسلامي. يضاف إلى ذلك أنه شوه سمعتنا في الخارج وألَّب علينا البشرية قاطبة.

ففقه أسلِمْ تَسلَمْ، لم يعد وارداً ولا مقبولاً في هذا العصر: عصر التعددية الروحية والفكرية والسياسية واختلاط الشعوب ببعضها البعض عن طريق العولمة الكونية ووسائل الاتصال الحديثة.

يضاف الى ذلك ان هذا الفقه الطائفي المتعصب مضاد لجوهر القرآن الكريم ورسالته السمحة التي تقول بحرفية النص: لا إكراه في الدين. ونحن لا نستطيع أن نتعامل مع الآخرين ونحن نعتقد في أعماقنا أنهم كفار! لا نستطيع أن نكفر أربعة أخماس البشرية. أقول ذلك بعد ان سمعت أن القاعدة اضافت الصين مؤخرا الى قائمة اعدائها. وبالتالي فلم يعد الغرب الاوروبي الاميركي هو وحده ضدنا .وانما اضيفت اليه الهند والصين واليابان وروسيا وكل امم الارض.

فكيف يمكن ان نعيش في هذا العالم اذن؟ لذلك اقول يلزمنا فقه جديد يليق بالقرن الواحد والعشرين: أي فقه يليق بعصر العلم والتنوير الحضاري والتآخي بين الشعوب. وهذا الفقه العقلاني له بذور في تراثنا الإسلامي العريق ولكن لا أحد ينتبه إليها لكي يبني عليها. حقا لقد دخلنا في مرحلة الجهاد الأكبر:أي مجاهدة الذات بكل انحرافاتها ونواقصها.وهي الانحرافات التي أدت إلى ارتكاب جريمة نكراء ك 11 سبتمبر وما تلاها.

كاتب سوري ـ باريس