السجال السياسي المحتدم في لبنان بلغ حدوداً أثارت القلق لدى كل الحريصين على استقرار هذا البلد وعلى استرجاع عافيته بعد العدوان الإسرائيلي الوحشي الذي تعرض له. فالتوقيت حساس ولغة التراشق خطيرة، فهي تهدد بتوسيع الشرخ، في وقت لا تزال فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي جاثمة على جزء من أرض الجنوب اللبناني. بالإضافة إلى أن اللبنانيين لم ينتهوا بعد من نفض غبار العدوان.

ناهيك عن النهوض من تحت ركامه ومواجهة الاستحقاقات الزاحفة، وكلها من العيار الثقيل. من الإعمار إلى تطبيق القرار 1701 ونشر قوات اليونيفيل التي تواصل تدفقها على جنوب لبنان، ومن ثم الالتفات إلى الملفات الداخلية العالقة والقضايا الخلافية المؤجلة.

صحيح أن الجدل والحوار في الملفات الساخنة دليل عافية، وصحيح أن السجال السياسي في لبناني خبز يومي، كما كان من الطبيعي أن تطلع حرارة المراجعة والأخذ والرد، في أعقاب الحرب العدوانية والخراب الذي تسببت به. حتى انه ليس من المستغرب في هكذا أوقات أن يتداول المتحاورون بلغة المحاسبة المتبادلة، التي تقتضيها مصلحة البلاد. كل ذلك مفهوم ولا يخرج عن المألوف.

لكن ما يستوقف، أن الحوار أو الجدل تحوّل إلى تقاذف باتهامات خطيرة وبردود عنيفة تؤدي إلى الضعضعة والتشظِّي ومراكمة الاحتقانات التي تفتح الساحة على المجهول. ولبنان يدرك من تجاربه، المخاطر التي ينطوي عليها مثل هذا التفاقم. خلال شهر المواجهة مع العدوان سادت لبنان أجواء رائعة من التضامن، الوحدة الوطنية كانت في أبهى صورها من احتضان النازحين إلى الالتفاف لدعم صمود المقاومة وانتهاء بالتحرك الفعال لوقف العدوان وفك حصاره.

فجأة يهبط بارومتر هذا التوافق السياسي، الرسمي والشعبي، إلى درجة التنابذ ليصبح الخطاب الحاد لغة العلاقة بين أطراف الساحة اللبنانية. والمقلق أكثر أن هذه اللغة مرشحة للمزيد من التعنيف، حسب ما تشير إليه معظم التقارير الوافدة من بيروت.

قبل الحرب وعلى امتداد الأشهر الستة الأولى من هذا العام، عاش لبنان أجواء سياسية ساخنة، بل متوترة. لجوء القوى المعنية إلى مؤتمر الحوار أعاد الأمور إلى نصابها. هبط منسوب الاحتقان وانتعش الأمل. على الأقل ساد نوع من الاسترخاء بعد ما تم سحب الخلافات من التداول العام وحصرها بطاولة الحوار، حتى ولو أنها لم تكن عند التوقعات، من حيث النتائج المثمرة.

الوضع الراهن، في ضوء الخطاب المتداول ومفرداته غير المألوفة، يستدعي ليس فقط العودة إلى الطاولة هذه، بل أيضاً العودة السريعة لاحتواء الغليان أولاً، ثم لمواجهة الأولويات بدءاً من تداعيات العدوان وانتهاء بمتطلبات النهوض.

فالأمر لا يحتمل التأجيل، ناهيك عن التمادي في المنحى الراهن للوضع الداخلي اللبناني. يكفي هذا الأخير ما أصابه من آلة الحرب الإسرائيلية الغاشمة، فأقل المطلوب من الساحة اللبنانية هو العمل على تقليل الخسائر الذاتية.

واللبنانيون أدرى بفداحة الثمن عندما تكون العلّة داخلية. ومن هنا أهمية الاستدراك وقطع الطريق على المزيد من التأزيم قبل فوات الأوان.