لم يكن الغزو الأميركي السريع لأفغانستان سوى رد فعل على هجمات 11 سبتمبر، فقد تصرفت واشنطن بشكل منفرد مستفيدة من التعاطف الدولي معها عشية تلك الهجمات.
ودون تنسيق راحت الآلة العسكرية الأميركية تستعرض آخر ما لديها أمام مقاتلين لايملكون سوى أسلحة فردية، وظهرت النتيجة سريعا بسقوط حكومة طالبان وإقامة نظام جديد موال للغرب.
وبدلاً من أن تستعين أميركا بحلفائها وتشرع في إعادة بناء ما هدمته الحرب في أفغانستان، فتحت إدارة الرئيس جورج بوش باب مواجهة جديداً في العراق دون غلق الملف الأفغاني، فتركت حكومة مركزية ضعيفة وعاد الأفغان لصراعاتهم القديمة، بل حتى زراعة الأفيون التي شهدت انحسارا قبل الغزو عادت لترتفع وتسجل أرقاما قياسية مخيفة. وفي هذه الظروف المتدهورة، كان من السهل على حركة طالبان أن تعيد تنظيم صفوفها وسط مناوشات كان الإعلام الغربي يتحدث حينها عن مطاردة فلول طالبان.
لكن بمرور الوقت وإهمال المعالجة الجدية للمشاكل الأفغانية والتركيز على الملف الأمني فقط، تكرر نفس المشهد الذي عاشه الأفغان بعد انتهاء الاحتلال السوفييتي، فذلك الإهمال الدولي الذي فتح الباب أمام ظهور طالبان، تكرر ليسمح بظهورها مرة أخرى. ونظرا لأن الإدارة الأميركية لم تنظر سوى من الزاوية الأمنية، فقد استعانت بأوروبا لمساعدتها على مواجهة الوضع المتدهور في أفغانستان، وكان الحل في استقدام قوات الحلف الأطلسي بأعداد قليلة في البداية ثم زيادتها مع اتساع رقعة المواجهات.
ولمواجهة الطلب المتزايد، دعت واشنطن حلفاءها في الحلف الأطلسي لرفع مشاركتهم، مشيرة إلى أن مستقبل الحلف يتوقف على هذه المشاركة، وهذا بعد تباطؤ المسؤولين العسكريين بالناتو في تقديم عروض المشاركة في التعزيزات المطلوبة. وهذا الموقف يكشف تردد الدول الأعضاء في الحلف بالمشاركة في ملف فتحته واشنطن وحدها ثم استعانت بهم بعدما وجدت نفسها غارقة في المأزق العراقي.
وهذا التردد سببه انفراد أميركا منذ البداية، فهي هاجمت أفغانستان بدافع الانتقام والعراق لحسابات خاصة بها، وأصرت على تحييد المجتمع الدولي الذي تكلمت باسمه، والنتيجة هي ظهور مشكلتين لايمكن حلهما أمنيا، مع أن الإدارة الأميركية لا تركز سوى على هذا الحل وباستخدام القوة فقط، فتأتي النتائج دائما عكسية، والدليل هو عجز الناتو على تهدئة الوضع في أفغانستان وعجز القوات الأمريكية على التحكم بالوضع في العراق.
ويبقى الحل دائما بيد المجموعة الدولية وليس بيد أميركا فقط، فحينها يكون هناك تعاون دولي وتركيز على مختلف المجالات وليس الجانب الأمني فقط، أما إذا أصرت أميركا على موقفها فلن تجد من حلفائها سوى التهرب، فهم ليسوا في وارد حل المشاكل التي تحدث بسبب انفراد واشنطن.