على مدى أكثر من نصف قرن، ومنذ أن منحت منظمة الأمم المتحدة شهادة ميلاد لإسرائيل، الكيان الذي لم يكن موجودا من قبل، ما فتئت تل أبيب تعربد وتعتدي على أبناء فلسطين وأبناء لبنان وأبناء سوريا، والعالم يلتزم الصمت. صمت تجاه الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على لبنان. وقد استعملت فيها أسلحة محرّمة وصمت تجاه ما تقترفه الآن ضد النواب الفلسطينيين الذين اختطفتهم سلطات الاحتلال.
إسرائيل التي اقترفت مجازر عديدة في لبنان هذه الصائفة، وأكثر منها عددا في غزة والضفة، لا تخضع إلى محاسبة ولا إلى عقاب. في حين، تسارع الدول المتنفة في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن تحديدا، الى استصدار قرارات ملزمة كثيرا ما يرتكز تطبيقها على المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة. بذلك تكون العربدة لاسرائيل والعقاب للعر. ففي منطق القوى الاستعمارية ليس للعرب الحق في الدفاع عن أنفسهم وعن أوطانهم، بل ليس للعرب، حسب الفلسفة الاستعمارية، حق في أمن قومي.
إسرائيل وحدها، في شرعة هؤلاء، لها الحق في العربدة والاستهتار بالقرارات الدولية تحت عنوان مغلوط : إسمه الدفاع عن النفس.بالأمس، جاب رئيس الوزراء البريطاني منطقة الشرق الأوسط وطالت قدماه لبنان، ولم نر حركة ندم أو نقد ذاتي لما أمكن للآلة الإسرائيلية، التي عبرت في جلها بريطانيا قادمة من واشنطن، أن تأتيه في لبنان طوال أكثر من شهر، عمر العدوان على لبنان.
صحيح أن المقاومة اللبنانية أبلت البلاء الحسن، وأعادت للعالم جزءا من الرشد المطلوب لكن حجم القتل والدماء والدمار الذي لحق بلبنان يرتقي الى مرتبة الجريمة التي يعاقب عليها القانون الدولي. لكن شيئا من هذا لم يحدث ولن يحدث. والسبب أن إسرائيل كيان فوق القانون ورأس حربة الاستعمار القديم والجديد ويافطة العولمة التي تستغل الشعوب وتنهب ثروات العالم بمنطق القوة وحده.
ما يحصل في فلسطين وفي لبنان وفي العراق، يستحق وقفة متأنية من بعض عقلاء العالم، إن كان ما زال الحديث جائزا عن عقلاء متنفذين وقادرين على تغيير الأوضاع.فبعد أيام قليلة تنطلق أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط أجواء عالمية فيها الكثير من التشنج والاعتداءات والاستعمار والاحتلال.
وعلى العالم أن يختار بين أن يواصل السير نحو المجهول وفق شعارات مغلوطة يعدها استعماريون عنصريون، يعتمدون سياسة الكيل بمكيالين، وبين أن يعيدوا للعالم رشده، فيصبح القانون فيصلا لا وسيلة للتلاعب والاعتداء على حرية الشعوب واستقلال الأوطان.