وقعت واقعة هجمات 11 سبتمبر 2001، وأخرج «جني» الإرهاب من القمقم، ووضعت الحريات الإعلامية في القفص الذهبي للحرب ضد أشباح وشياطين تلك المواجهة الدامية، التي تنتج الأكاذيب أكثر مما تقدم من حقائق، أو معلومات، تشفي صدور المتعطشين لمعرفة، طبيعة وكنه ما جرى، في «غزوة نيويورك» ـ بلغة تنظيم القاعدة ـ أو الهجمات الإرهابية على برجي مركز التجارة العالمي، والمبنى السابع في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) ـ بلغة الإعلام الدولي والبيانات الرسمية للإدارة الأميركية.
والآن، بعد خمس سنوات عجاف من الحرب على الإرهاب، التي تلت (11 سبتمبر)، مازال العالم يقف حائرا امام جملة اسئلة.
ووقائع ملتبسة، فيها من الغموض ما يستعصي على فك طلاسمه، ومن التداخل ما يربك ويشوش على أي محاولة لعقلنة الحدث واعادة تفكيك مفرداته، بهدف الوعي بدوافع وشخوص منفذي تلك الهجمات، وفي أي خانة يمكن تصنيفهم، هل هم: ارهابيون قح؟ ام من النوع المضلل، الذي يمسك «الإرهابيون الأصلاء» بخيوط تحريكهم عن بعد؟
وهل هم «استشهاديون» اسلاميون، موعدون بالجنة؟ ام ينتمون لفصيلة «الخوارج التكفيريين» الذين يخوضون معركة عدمية عبثية، تحت شعارات براقة، أو «كلمة حق يراد بها باطل»؟ تشعل فتنا تأكل نيرانها وحدة وقوة الامة، وهي اخطر كثيرا من «الفتنة الكبرى» التي اغتالت رابع الخلفاء الراشدين الامام علي كرم الله وجهه.
وحولت الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض، وأدخلتنا في صراع مرير بين ثوابت العقيدة ومتغيرات ونسبية الاهواء والمصالح السياسية، والانكى انها اسست لوضعية وضع الفقيه في خدمة السياسي، وهو ما ندفع ضريبته حتى الساعة خصما من رصيد الاسلام الحضاري.
ومن اسئلة 11 سبتمبر المسكوت عنها، تلك الصلة التاريخية الوثيقة بين تنظيم القاعدة المسؤول عن الهجمات، واجهزة الاستخبارات الاميركية والتابعة لها في اقليمنا، والتي ظهرت إبان مرحلة اعلان الجهاد الأميركي الإسلامي لطرد الجيش السوفييتي الكافر من افغانستان.
في تلك الفترة شنت اشرس حرب دعائية لحشد جيوش من خيرة الشباب العربي، لاداء فريضة الجهاد في افغانستان، وليس في فلسطين أو لبنان حيث بيروت التي كانت اول عاصمة عربية يحتلها الجيش الصهيوني بعد انتصار اكتوبر 1973 ومعاهدة كامب ديفيد بين القاهرة وتل ابيب، وتم التواطؤ العربي الأميركي على اخطر عملية غسيل جماعي لأدمغة الشباب، وتصوير الطريق الى الجنة على انه يبدأ من كابول وقندهار، وليس من القدس وبيروت.
واقتيد هؤلاء «المضللين» او اصحاب النوايا الطيبة، الى حتفهم، فداء لانتصار الامبراطورية الاميركية على الاتحاد السوفييتي، وكانوا للاسف مجرد «كباش» لمحرقة بزوغ قوة الولايات المتحدة الاميركية، كقوة عظمى وحيدة تنفرد بقيادة العالم، وخلفها ربيبتها اسرائيل كقوة عظمى اقليمية تتأهل لقيادة منطقتنا، والهمينة على مصائر دولها العربية والاسلامية.
وخلال تلك الحرب الافغانية، كانت الاستخبارات الاميركية حاضرة بخبرائها وقادتها ومدربيها، ومحلليها، يدربون «المجاهدين» على عمليات الاغتيال، والتفجيرات، ويزودونهم باحدث صواريخ اسقاط الطائرات، ويرصدون خلافاتهم الفقهية والمذهبية، ويجندون «عيونا» لهم، ويزرعون عملاء، مهمتهم اشعال الحروب الطائفية القادمة.
الامر الذي تحقق في معارك امراء الحرب الافغانية بعد طرد السوفييت، حتى سقوط كابول في ايدي طالبان، التي اكملت رحلة محاربة طواحين الهواء، وتشويه صورة الاسلام السمح واظهاره في صورة سلوكيات متخلفة متزمتة منغلقة جامدة، تعادي كل مناحي التحضر والاستنارة.
هذا من جهة الصلة بين اشباح وشياطين «هجمة نيويورك»، لكن هناك اسئلة اخطر تتعلق باكاذيب الحرب على الارهاب، اولها: غياب اى تعريف يحظى باجماع او توافق دولي على المقصود بالارهاب، والخطوط الفاصلة بين الافعال التي تندرج تحته، وتلك التي تنتمي الى عمل المقاومة المشروعة دنيويا ودينيا، والتي ينحصر هدفها في تحرير الاوطان من دنس اى احتلال، والذود عن استقلاها وتحصينها ضد محاولات الاخضاع للهيمنة.
هذا الخلط المتعمد اضر اساسا بالمقاومة، واتاح للعدو وضع تنظيماتها على لائحة الارهاب، ووفر له السبل للتدخل في صياغة العقول ووضع مناهج التعليم، بسبب كثرة الغث الموجود، وتغييب صوت العقل الاسلامي الحقيقي.
وثاني تلك الاسئلة يسعى لفك لغز اكاذيب كثيرة تخللت الحرب على الارهاب، وولدت في اتون الهجمات، ابرزها على سبيل المثال لا الحصر: اكذوبة الطائرة التي ضربت المبنى السابع للبنتاجون، وعدم وجود اي دليل مادي أو اثر لها، او حطامها على الاقل، فضلا عن روايات أخرى موثقة تدحض فرضية حدوث الهجمة بطائرة.
وهناك ايضا، اكذوبة الرحلة 93 التي تحطمت طائرتها في بنسلفانيا، وحالت دون وصول خاطفيها الى وجهتهم لضرب البيت الابيض، رغم بث تغطية اخبارية مناقضة قبل الاعلان عن تحطمها بأكثر من ساعة، بأنها هبطت بسلام بعد الاشتباه في وجود قنبلة على متنها.
وبعيدا عن نظرية «المؤامرة» التي يتربع على عرشها الصحافي والمحقق الفرنسي تيري ميسان، هناك ام الاكاذيب التي ولدت من رحم الحرب العالمية على «جني» الارهاب، وهى اكذوبة طرود «الجمرة الخبيثة» البريدية المميتة التي اثارت ذعر العالم.
واغلقت مبنى الكونغرس الأميركي لاسابيع، وفرضت على جميع دول العالم وضع اجراءات وقائية ضد الرسائل البريدية الواردة من الخارج، واهدرت مليار دولار من الخزانة الاميركية، ومئات الملايين من بقية الدول.
ورغم هوس رعب «الانتراكس» واستنفار العالم ضد عناصر وعملاء «جني» الإرهاب تبين ان وراءه خبير الارهاب البيولوجي والباحث الفيزيائي الاميركي ستيفن جى هاتفيل، بسبب فقدانه وظيفته، ومازالت الجهود مستمرة للوقوف على حقيقة هجمة الجمرة، التي لن ينكشف لغزها الا مع اللغز الاكبر.