أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الاثنين الماضي أنه توصل لاتفاق مع رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية بخصوص تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية قد تشكل خلال أيام. وأضاف عباس أنه يأمل البدء خلال الأيام المقبلة في تشكيل الحكومة.
وقد أكدت حركة حماس حدوث مثل اتفاق بهذا الشأن. والواضح أن الجانبين في حركتي فتح وحماس تيقنا ضرورة وجود مثل هذه الحكومة لرفع العقوبات الدولية التي عطلت عمل الحكومة الفلسطينية الحالية بقيادة حركة حماس.
ولكن الذي لم يعلن حتى الآن من قبل الجانبين هو البرنامج السياسي الذي سيحكم عمل الحكومة الجديدة بغض النظر عن تركيبتها السياسية الفصائلية.
لأن عدم وجود اتفاق على البرنامج السياسي باعتباره البوصلة التي ستحدد مسار الحكومة الفلسطينية في المرحلة القادمة ومواقفها من العديد من القضايا الجوهرية وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل سيعني الإعلان عن فشل سياسي جديد لحكومة جديدة وسيبقى الوضع الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة مأسوياً.
كما أن عدم الاتفاق على برنامج سياسي واحد يحكم جميع الفصائل الفلسطينية المختلفة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين سيفهم منه أن هذا الاتفاق هو اتفاق فصائلي ضيق لا يرقى إلى مستوى تطلع الشعب الفلسطيني الذي قدم أعظم التضحيات في ظل حكومات فتحاوية وحمساوية وجرب البرامج السياسية التي دعت للسلم والمفاوضات أو تلك التي دعت للمقاومة والاستشهاد ولم يصل إلى شيء حتى الآن.
وهذا الشعب المقهور والمظلوم منذ عقود طويلة ليس معقولاً بعد الآن أن يستمر بسماع الشعارات التي تندد وتشجب إسرائيل والولايات المتحدة أو أن يلام هذا النظام العربي أو ذاك لأنه لم يقدم ما يجب تقديمه من دعم سياسي أو دبلوماسي أو مادي أو أن الظروف الموضوعية واللوجستية والإقليمية والدولية لا تساعد على القيام بإنجازات ترقى ومستوى القضية الفلسطينية العادلة والمركزية والمحورية.
وغير ذلك من «الديباجات» التي عرفها وتعايش معها ستة من الأجيال الفلسطينية والعربية منذ النكبة الأولى وحتى يومنا هذا.
هذا مرفوض ومرفوض جداً من أي فصيل أو حزب أو قيادة أو حكومة أو رئاسة في دولة فلسطين التي انتظرناها وحلمنا بها طويلاً ولم تأت ولم يتحقق الحلم الفلسطيني والعربي.
لا يكفي ما نسمعه ونشاهده ونعيشه كل يوم من قبل كل الفصائل الفلسطينية دون استثناء الوطنية منها والإسلامية. لقد انتقد إسلاميو الفصائل الفلسطينية في فلسطين كل السياسات الفتحاوية وتلك التي جاءت عبر أطر منظمة التحرير الفلسطينية واتهموا بالفساد والعمالة والاستسلام، ورفضوا هذه السياسات وعملوا على إسقاطها سياسياً وفي الميدان.
وبعد هزيمة الفصائل الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح في الانتخابات الفلسطينية النزيهة والحرة واستلام الإسلاميين مقاليد الحكم برغبة عارمة من قبل الشعب الفلسطيني بدأت الفصائل الوطنية اتهام الإسلاميين بالعجز وضعف في القيادة واتهامهم بعدم وجود برنامج سياسي واضح وبفشل ذريع في التعاطي مع الخارج إقليمياً ودولياً وحتى بالتآمر عليهم من قبل بعض الأطراف في السلطة الفلسطينية سعياً لإفشالهم سياسياً.
إضافة إلى ما ذكر آنفاً لا أحد يجهل أيضاً أن العوامل الخارجية كانت تساعد بشكل مباشر وغير مباشر على إفشال جميع الجهود التي بذلت من قبل جميع الفصائل الفلسطينية على مر السنوات من أجل التوصل إلى حلول عادلة تحقق للشعب الفلسطيني مطالبه الوطنية والإنسانية والتاريخية العادلة والمدعمة بالقرارات والمعاهدات والمواثيق الدولية.
لا أحد يجهل ما تفعله إسرائيل بالفصائل الفلسطينية والشعب الفلسطيني، ولا أحد يجهل أيضاً أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم تلزم إسرائيل بتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، كما أنه لا أحد يجهل ضعف الموقف العربي والإسلامي في ممارسة الضغوط الحقيقية لتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني. هذا معروف ومفهوم للقاصي والداني.
ولكن هل يجب أن نعتمد فقط على تصحيح العوامل الخارجية وانتظار نظام عالمي طوباوي يحقق للشعب الفلسطيني وقياداته ما يصبون إليه منذ ضياع أرض فلسطين التاريخية ولم يعد يبقى منها إلا فتات الفتات والقدس لم تعد عربية إلا على خرائط العالمين العربي والإسلامي.
كيف يمكن للشعب الفلسطيني أن يقتنع هو أولاً ليتمكن ثانياً من إقناع الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم بعيداً عن الشعارات والمزايدات والإيديولوجيات الورقية أنه جاد في مساعيه لتحقيق مطالبه الوطنية؟ هل يستمر بنفس النهج الذي ثبت فشله وأصبح واضحاً أنه لن يصل إلى نتائج مرجوة؟
أم هل يستمر بقبول الوعود السياسية الآتية من الرئيس بوش وبلير وشيراك وأولمرت والعديد من الرؤساء العرب والمسلمين؟
لن تحترم الإرادة الفلسطينية محلياً وإقليميا ودولياً إذا استمر التشرذم السياسي والتنظيمي والإيديولوجي داخل فلسطين المحتلة، ولن يحترم قرار أو إرادة أي قائد سياسي فلسطيني إذا فشل في إدارة شؤون شعبه وسلطته ولم يحظ باعتراف جميع شرائح الشعب الفلسطيني.
إن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني وقياداته المختلفة في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية ليس فقط حكومة وحدة وطنية لا تتمتع ببرنامج سياسي ووطني واحد وإنما حكومة فلسطينية تمثل أغلبية الشعب الفلسطيني على أساس خطط وبرنامج عمل مقبول.
ومتفق عليه بشكل واضح وصريح ومعلن بحيث لا يقبل الشك من جميع الفصائل الفلسطينية، وأن تلتزم جميع الفصائل بهذا الاتفاق وتعمل على تكريسه وإنجاحه ليصبح دستوراً غير قابل للتعديل والتحريف طالما بقي شبر من أرض فلسطين المحتلة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
الوضوح في الرؤية والأهداف التكتيكية والإستراتيجية ثم برنامج عمل وطني واحد ثم الالتزام والتقيد من قبل الجميع وليس من قبل البعض سواء من هذا الفصيل أو ذاك هو البداية وليس النهاية للوصول إلى ما يراد الوصول إليه وهذا أقصر الطرق وأنجعها.
إن تحقق هذا وتوحد الشعب الفلسطيني على كلمة واحدة وأهداف واحدة وبرنامج عمل واحد عندها يبدأ مشوار التحرير وليس التحريك نحو الدولة الفلسطينية المرجوة بأقصر وقت ممكن.
وعندها سيضطر الخارج الدولي قبل الإقليمي الى احترام الإرادة الموحدة للشعب الفلسطيني ويجد العرب والمسلمون نموذجاً حياً يستحق الدعم والتأييد بكل الوسائل الممكنة لأن الذرائع والحجج التي استثمرت من قبل حول شرذمة الموقف الفلسطيني وضبابية موقفه السياسي واتهامه بالتسيب أو التشدد لم تعد قائمة.
تستحق القدس أن يتوحد الشعب الفلسطيني بكل أطيافه من أجلها ولو على حساب هذا التنظيم أو ذاك. وتستحق فلسطين التضحية على حساب المصالح الضيقة لهذا التنظيم أو ذاك لتعود لشعبها أرضاً عربية وإسلامية شامخة بتاريخها وبتضحيات شعبها وفصائلها.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com