هل من الإنصاف تحميل إدارة بوش وحدها المسؤولية التاريخية عن المغامرات الإجرامية الأميركية خلال مرحلة ما بعد «11 سبتمبر».. بمعنى هل يجوز تبرئة بعض الأنظمة العربية من المشاركة في تحمل هذه المسؤولية؟
بعد نحو العام ونصف العام من تدشين «الحرب على الإرهاب» قام الرئيس بوش بتوسيع النطاق السياسي والعسكري لهذه الحرب لتشمل حملة غزو شامل على العراق.
وكما عرفنا وعرف الشعب الأميركي والعالم لاحقاً كان قرار الرئيس الأميركي مبنياً على كذبتين متتاليتين، فمن ناحية اضطر الرئيس نفسه إلى الاعتراف بأن عراق صدام لم يكن يملك أسلحة دمار شامل. ومن ناحية أخرى أقرت إدارته ببطلان الزعم بأنه كان لنظام صدام تحالف مع تنظيم «القاعدة».
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: لماذا لم تطالب أنظمة عربية إدارة بوش بإبراز أدلة قبل أن تقرر هذه الأنظمة مساندة حملة الغزو الأميركية بتأييد سياسي وأمني؟
فمن المفارقات أن مثل هذه المطالبة تقدمت بها ثلاث قوى دولية ـ فرنسا وروسيا والصين ـ قبل الغزو عندما سعت الولايات المتحدة إلى استصدار قرار بتأييد الغزو من مجلس الأمن الدولي.
أجل كان تأييد معظم الأنظمة العربية للغزو امتداداً لمعارضتها رفع العقوبات الاقتصادية القاسية التي كانت مفروضة على الشعب العراقي خلال عهد صدام. وفي الحالين كانت معظم الأنشطة تتصرف وفق الإرادة الأميركية دون إبداء أي تساؤل.
واتخذت معظم الأنظمة العربية موقفا مشابها عندما عمدت الولايات المتحدة إلى توجيه مسار «الحرب على الإرهاب» لمساعدة ارييل شارون وإسرائيل في القضاء على الانتفاضة الفلسطينية التي كانت اندلعت قبل أحداث 11 سبتمبر بنحو عام.
كان المخطط الأميركي في هذا الصدد يقضي بتجفيف منابع الدعم المادي الذي كان يتلقاه الفلسطينيون بما في ذلك المساعدات الإنسانية كالمبالغ النقدية التي كانت ترسل إلى أسر الشهداء. وكما رأينا فإن أكثر الحكومات العربية تجاوبت بالكامل مع كافة الإجراءات والتدابير الأميركية ففرضت رقابة صارمة على البنوك ومنع جمع تبرعات شعبية وأغلقت جمعيات وهيئات خيرية، الأمر الذي ساعد بصورة فاعلة في خنق الانتفاضة الفلسطينية وإجهاضها إلى ان تلاشت بالفعل.
هذا التجاوب العربي السالب الذي أدى إلى تقصير عمر الانتفاضة هو الذي حفز شارون إلى وضع وتنفيذ مشروع «الجدار الفاصل» لخلق حدود توسعية جديدة لإسرائيل بإلغاء حدود عام 1967.
كان هناك أيضا تجاوب على الصعيد الأمني. فقد كانت بعض الأجهزة الأمنية العربية تسلم السلطات الأمنية الأميركية كل ما تطلبه من المواطنين العرب دون إجراءات قضائية ودون وجود اتفاقيات لتسليم المطلوبين. ومن ناحية أخرى كانت أجهزة عربية تتسلم من السلطات الأميركية معتقلين عرباً لغرض اخضاعهم لعمليات تعذيب.
الآن وبعد خمس سنوات من «الحرب على الإرهاب» تتعرض إدارة الرئيس بوش لحملات انتقاد واحتجاج داخل الولايات المتحدة. وهي بالطبع حملات مبررة. لكنها تبقى ناقصة طالما أنها لا تمس الشركاء.