يزدحم المشهد العراقي، هذه اللحظة، بالحراك المتنوع والنوعي. في ما سبق، كان الوضع الأمني، هو الذي يطغى عليه. في الأيام الأخيرة بدأت السياسة تنافس الأمن. بل هي تبدو وكأنها في سباق معه. طبعاً الحالة الأمنية المتردية ما زالت في واجهة الاهتمامات. لكن الساحة تشهد الآن، تحركات ومحاولات جديدة.
منها ما يندرج في خانة البحث عن مخرج من الوضع الأمني الذي لم يعد يطاق. ومنها ما ينزل في قائمة التوجهات المحفوفة والمفخخة بالمخاطر.
على رأسها تأتي زيارة رئيس الحكومة، السيد نوري المالكي، إلى إيران. الغاية، حسب التقارير الإعلامية والمصادر المنسوبة إليها مفاتحة طهران بالحاجة إلى مساعدتها، في مجال العمل، لتعزيز الأمن والاستقرار في العراق.
ليس سراً لطهران حضورها ونفوذها على الساحة العراقية. كما ليس سراً أن هذا النفوذ يلقى ترجمته على الأرض. حصيلة اللقاء مع الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد تبدو في ضوء التصريحات، مشجعة. فقد وعد هذا الأخير ببذل الجهود لتلبية المطلب العراقي. كما أن رئيس الحكومة العراقية، أبدى تفاؤله بإمكانية حصول «التعاون» بين الجارين في جميع المجالات.
يعزز هذه الأجواء أن الجانبين قاما بالتوقيع على اتفاق يشمل النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية، والمعروف أن المالكي كان سبق وتعهّد، في بيانه الوزاري، بالعمل على قصقصة نفوذ الميليشيات وتجريدها من سلاحها، أيضاً من علامات هذا التحرك، كان إعلان كتل وازنة في المجلس الوطني العراقي عن مشروع قانون، تنوي تقديمه، بخصوص وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية.
وفي هذا الصدد كانت أوساط كثيرة قد توقفت عند الزيارة التي قام بها إلى بغداد، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جيمس بيكر مع وفد كبير من الخبراء والمستشارين، وذلك بتكليف من الرئيس بوش. وقيل ان المهمة المركزية للوزير وأعوانه هي البحث عن مخرج من الورطة العراقية.
ويأتي ذلك على خلفية ما كان قد تردد عن الإعداد لتسليم الملف الأمني فوق جميع الأراضي العراقية، إلى قوات الأمن المحلية.
بموازاة ذلك، لوحظ حصول تراجع، أو في أسوأ الأحوال تأجيل، في ملفات حساسة كانت قد صدرت مواقف بشأنها، أدّت إلى تساؤلات وطرح علامات استفهام. ناهيك عن المخاوف. وبالتحديد موضوع العلم العراقي، وما رافقه من تلويح بانفصال إقليم كردستان.
صدرت بشأنه توضيحات تفيد بأن الموضوع قد طوي. على الأقل في الوقت الراهن. ثم كان ملف الفيدرالية، الذي شهد هو الآخر ارتفاعاً ملحوظاً في درجة حرارته، مؤخراً ثم ما لبث أن جرى التوافق على سحبه من التداول حالياً، بسبب التعقيدات التي قد يثيرها.
كل هذه المؤشرات تعزز الاعتقاد بأن الساحة العراقية تدخل حالة مخاض جديد، واضحة فيه محطة المغادرة، لكن محطة الوصول مفتوحة على المجهول.
وإذا كانت احتمالات التدهور راجحة كفتها، في قرارات عديدة وبالذات الأميركية منها، إلا أن قرار العراقيين يبقى في النهاية، العامل الحاسم في تحديد المرفأ الذي سترسو فيه باخرة عراق ما بعد الاحتلال.