أتيح لي إجراء مقابلة وجها لوجه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقصر الشيخ حمد خلال زيارته الأخيرة للبحرين حيث دار حوار شامل حول تطورات القضية الفلسطينية. ينتمي الرئيس عباس إلى مدرسة من الرعيل الأول من رجال الدولة نبذت الكفاح المسلح، وهي تؤمن باعتماد العمل الدبلوماسي وسيلة وحيدة لحل القضية الفلسطينية. يؤكد الرئيس عباس من دون مواربة أنه ليست هناك قوة تستطيع أن تملي على الفلسطينيين أية شروط إذا لم تكن مقبولة لديهم، غير أنه في الوقت نفسه كان رجلا عمليا بالقدر الذي يسمح له بقبول تقديم تنازلات مشروعة.

ولتأكيد رؤيته للوضع يؤكد الرئيس الفلسطيني بقوة أنه ليس هناك حكومة عربية واحدة تقبل بمبدأ المواجهة العسكرية، لأن الولايات المتحدة ببساطة لن تترك إسرائيل لتخسر المواجهة، وذلك بسبب القدر الكبير والمتشابك من المصالح الأمريكية الصهيونية في مختلف أنحاء العالم. وهو يحث على عدم إساءة فهم حقيقة أن أمريكا تدرك تماما أن إسرائيل غير قادرة على حماية مصالحها في الشرق الأوسط، فالواقع أن الأمريكيين يقومون بهذه المهمة بأنفسهم مباشرة عن طريق وجودهم العسكري الكبير في المنطقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تعتمد السياسة الأمريكية كلية على التعدي وقوة النيران؟ يحاول الفيلسوف ديفيد سيلبورن أن يقدم إجابة عن هذا التساؤل من خلال كتابه الأخير «خسارة المعركة مع الإسلام« الذي نشر في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر من العام الماضي. يقول: إن أمريكا مشوشة وإن النزاعات الخاصة أو المحلية في المعركة مع الإسلام إنما هي مجرد عناصر في أزمة أكبر تواجه الغرب بمجمله. فالانقسامات بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي والخلافات المريرة حول النهج الذي يجب أن تسلكه أمريكا ليست مجرد صور من التعبير عن الخلافات السياسية المعتادة في الممارسة الديمقراطية، وإنما هي في الواقع تعبير عن حالة فوضى عميقة في المجتمع الأمريكي.

فالقادة الأمريكيون أنفسهم غير قادرين على أن يحددوا مَنْ وماذا يحاربون - هل العدو هو الإسلام أم «التطرف الإسلامي« أم «الإرهاب«؟ وعلى نفس النحو فإنهم محتارون في خيارات ترتيب الأولويات بين إعطاء الأولوية للأمن الوطني أو لحماية حقوق الأفراد، كما أنهم غير متأكدين مما إذا كان نشر الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي مشروعا جديرا بالتنفيذ، وهم متشككون، لأسباب وجيهة، فيما إذا كان من الممكن أن يعوّلوا على حلفائهم الأساسيين في أوروبا وفيما إذا لم يكن حلفاؤهم التقليديون في العالم الإسلامي مثل المملكة العربية السعودية وباكستان ودول الخليج مجرد «ذئاب في ثياب خراف«. والولايات المتحدة هي أمة في حالة حرب، ولكنها أمة فقدت إحساسها بالاتجاه، وهي بسبب ذلك أمة في حالة حرب مع نفسها.

مع كل هذه الفرضيات التي يطرحها الفيلسوف ديفيد سيلبورن، ألا يحق للمرء أن يخلص إلى أنه مهما بذل الرئيس عباس وبقية العالم العربي والإسلامي من جهد لعرض قضيتهم العادلة أمام الأمريكيين فإن هذا الجهد سيكون بلا جدوى إذا كانت واشنطون نفسها قد ضلت طريقها، لأن البوصلة السياسية الوحيدة التي باتت تثق بها الغطرسة الأمريكية وتعتمد عليها هي القوة المطلقة؟ أم أن علينا أن نفهم أن الولايات المتحدة غير قادرة على أن تستوعب، مثلما قال البروفيسور سيلبورن، أن المناهضين لأمريكا الذين يعدون عشرات الملايين في أوروبا الغربية وحدها يهللون فرحا لحقيقة أن المصالح والأهداف الأمريكية في العالم أصبحت تواجه صعوبات متزايدة؟ يعتقد سيلبورن أن القوى المعارضة لهذه المصالح تشمل، بمن في ذلك من هم داخل أمريكا نفسها، الليبراليين واليساريين والإسلاميين المتطرفين والمتعاطفين معهم من غير المسلمين وجموعا من المناهضين لأمريكا لا يرون في الولايات المتحدة سوى مصدر لكل الشرور. على الجميع أن يعوا تماما أن هذه ليست وجهة نظر الكثيرين من العرب فقط، ولكنها الرأي الذي يعتقده فيلسوف غربي محترم مثل ديفيد سيلبورن.

أنور عبدالرحمن