الهجوم الذي تعرضت له السفارة الأميركية في دمشق، رغم ادانتنا له انطلاقا من موقف قطر الثابت والمعلن، الرافض لكافة الأعمال الارهابية سواء منها ما يستهدف الدول الشقيقة أم الصديقة، لايمكن اعتباره عملا إرهابيا عارضا، ولايمكن تجاهله ببساطة كونه حدثا وقع على أرض غير مصنفة ضمن دائرة المقربين لواشنطن رغم استهدافه لسفارتها في دمشق. ذلك أن هذا الاعتداء يفرض قراءة نفسه على المجتمع الدولي المعني بمكافحة الارهاب من زاويتين اثنتين، أولاهما استفحال حالة العداء والتطرف تجاه الولايات المتحدة في المنطقة. وثانيتهما فشل السياسات الامريكية في مكافحة الارهاب في الوقت الذي تحيي فيه ذكرى هجمات 11 سبتمبر 2001.
الهجوم الذي تعرضت له السفارة الامريكية من طرف «مجموعة ارهابية تكفيرية» حسب المصادر السورية وأسفر عن سقوط 3 مهاجمين وأحد عناصر مكافحة الارهاب السوريين دون اصابة أي من الدبلوماسيين الامريكيين بأذى، الأمر الذي دفع واشنطن للاشادة بالدور السوري في التعامل مع الموقف، وهي الاشادة التي لم تسمعها دمشق من واشنطن لسنوات، لابد أن أجهزة الاستخبارات الامريكية كانت تتوقعه في المنطقة العربية، والشرق الاوسط منها بالذات، ضمن ردود فعل «عنيفة» أصبحت تفرخها السياسات الأمريكية باستراتيجية غير عادلة ولامنصفة في تعاملها مع القضايا العربية، وليس أقلها تحيزا وتجاهلا للمعايير والقيم الأخلاقية، بما فيها المواثيق والاعراف الدولية، موقفها الاخير من الحرب الاسرائيلية على لبنان. الى جانب تخليها الواضح عن عملية السلام، ومحاباتها السافرة لاسرائيل وغضها الطرف عن جرائمها اليومية بحق الفلسطينيين ضمن خطة ممنهجة هدفها الاخير سياسة فرض الأمر الواقع.
درس آخر، ربما يكون الأهم على الولايات المتحدة أن تستوعبه، ويتعلق بفشل سياساتها في مكافحة الارهاب وهي تحيي الذكرى الخامسة لهجمات 11 سبتمبر، فقد هاجم بوش العراق بحجة ارتباطه بالقاعدة، وجاء تكذيبه من الكونغرس قبل أيام، ليشعل المنطقة بذلك ويحولها الى بؤرة من بؤر الارهاب. والهدف في النهاية المصالح الامريكية واستقرار المنطقة. وفي أفغانستان أزاحت الولايات المتحدة نظام طالبان دون أن تنعم أفغانستان الى اليوم بالأمن والاستقرار، كما لم تهدأ الجبهة على المستوى الدولي من هجمات واعتداءات دامية في أماكن متفرقة من العالم، رأينا ذلك في أماكن متفرقة ومتباعدة من موريتانيا في المغرب الى سوريا في المشرق.
واشنطن بادرت على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بالامتنان الكبير لسوريا بعد تدخلها لصد الهجوم، لكن ما تريده سوريا أكثر من مجرد الامتنان الامريكي، ولعل هذا ما بادرت السفارة السورية في واشنطن للتنبيه اليه، حيث أكدت في بيان أنه «على الولايات المتحدة ان تغتنم هذه الفرصة لمراجعة سياساتها في الشرق الاوسط وتبدأ بمعالجة جذور الارهاب وتعمل على تحقيق سلام شامل في الشرق الاوسط». بعد أن باتت سياساتها «تعمل على تغذية التطرف والارهاب والشعور المعادي للامريكيين».
قناعة لابد أن تصل اليها الولايات المتحدة بعد هذا السجال الطويل ضمن الحرب على الارهاب، وهي ضرورة مراجعة سياستها في المنطقة، ونهج أسلوب جديد يقوم على التفاهم والحوار مع الدول، وتشجيع الأمن والسلام بمعالجة الاختلالات القائمة على صعيد القضية الفلسطينية، والمسار السوري اللبناني، والوضع في العراق.