جاء الاتفاق الذي توصلت إليه الفصائل الفلسطينية لتشكيل حكومة وحدة وطنية, متأخرا كثيرا عن الموعد الذي توقعه الفلسطينيون والعرب, لكن ذلك لا يقلل من أهميته, ولا من الفوائد التي يمكن للفلسطينيين, شعبا وقضية, أن يجنوه من ورائه.

إن هذا الاتفاق في ذاته, سيساعد على تهدئة الأوضاع المحتقنة بين الفصائل الفلسطينية, وبالذات بين الفريقين الأكثر تأثيرا ونفوذا (فتح وحماس), كما أنه سيساهم في إعادة الانسجام بين الرئاسة الفلسطينية والحكومة بعد أشهر من الخلاف الذي عطل كثيرا من التطلعات الفلسطينية, خصوصا على صعيد وضع برنامج وطني يمكن من خلاله مواجهة الظرف الصعب الذي تمر به المنطقة, في ظل الموات الذي أصاب عملية التسوية, وتوحش السياسة الإسرائيلية.

ويشكل الاتفاق من الجهة الثانية رسالة للعالم, وبالذات للقوى الغربية, مفادها أن الرهان على تقسيم الفلسطينيين واقتتالهم, غير مجد بالمرة, وأن الأفضل للسلام, ومن ثم لمستقبل المنطقة, هو اللجوء للحوار, والتركيز على إعادة الحقوق لأصحابها, بدلا من الاحتكام للمنطق الصهيوني الراغب في تحويل الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى ذريعة تبرر بها سياسات إسرائيل العدوانية ضد جماعات المقاومة الفلسطينية.

والحق أن توصل حركتي حماس وفتح, ومعهما باقي الكتل البرلمانية, إلى هذا الاتفاق, سيضع إسرائيل, ومعها الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي, ذلك أن الحكومة الجديدة لن تمانع في الاعتراف بالشروط الثلاثة الموضوعة لاستئناف عملية السلام, وهي الاعتراف بإسرائيل, والقبول بالتفاوض معها, وبالالتزامات التي قطعتها السلطة الفلسطينية على نفسها في اتفاقيات التسوية السابقة, وهذا يعني ـ باختصار ـ إسقاط الذريعة التي يستند عليها الإسرائيليون في رفضهم لتحريك عملية السلام, وفي عدوانهم المتواصل على الأراضي المحتلة.

وإلى ما سبق سيوفر الاتفاق الجديد لحركة حماس فرصة مثالية للاحتفاظ بثوابتها الوطنية, وببرنامجها للمقاومة, فضلا عن قوة علاقتها بالشارع الفلسطيني, دون أن تضطر للاشتباك مع البيئة الخارجية المعادية لها, باعتبار أنها ستبتعد عن الشؤون الخارجية والمالية, وستركز على المجالات الخدمية والاجتماعية.

ومن محاسن هذا الاتفاق أيضا أنه جاء قبيل قيام الجامعة العربية بمطالبة مجلس الأمن بالإشراف على عملية التسوية, وتحريرها من الهيمنة الأمريكية, ذلك أن وجود حكومة تمثل مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني من شأنها أن تفتح المجال أمام الخطاب الرسمي العربي كي يقنع دول العالم بضرورة استغلال وجود هذه الحكومة, لتحقيق تسوية مضمونة القبول من جانب مختلف التيارات الفلسطينية, بشرط أن تكون تسوية شاملة, وعادلة.