إيران تتعاون مع أميركا في عملية الإطاحة بنظام «طالبان» الأفغاني. ولا يطول انتظار طهران لتلقى مكافأة أميركية، و«المكافأة» هي ضم إيران إلى عضوية «محور الشر» جنباً إلى جنب مع عراق صدام وكوريا الشمالية.
كان ذلك قبل خمس سنوات. والآن مع بداية العد التنازلي للاحتلال الأميركي والأطلسي في معترك أفغانستان بعد أن استعادت قوات طالبان قوتها القتالية تبدو الولايات المتحدة وكأنها باتت بحاجة إلى التعاون الإيراني أكثر من أي وقت مضى، لكن ما كان للاستخبارات الأميركية أن تندهش عندما اكتشفت مؤخراً أن القوات الطالبانية تتحرك حالياً بتمويل إيراني.
فهل يجوز أن ننعت واضعي الاستراتيجية الخارجية الأميركية بالغباء؟
القاعدة الأزلية للتعامل بين الدول هي نصرة المصالح القومية بما في ذلك المحافظة على الفوائد المكتسبة وتنميتها، ووفقاً لهذه القاعدة كان متاحاً للولايات المتحدة أن تعمل على تطوير بادرة التعاون الإيراني إلى مستوى شراكة تحالفية في أفغانستان، عوضاً عن استفزاز طهران دون ضرورة.
لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة لا تفكر بهذه الطريقة لأن السياسات والاستراتيجيات التي تضعها هذه الإدارات لا تنطلق من قاعدة المصالح القومية وإنما من اعتبارات بقاء إسرائيل وحماية أمنها وضرورة إبقائها كقوة إقليمية متفوقة وتوسعية. وعليه فإن الولايات المتحدة تظل بالضرورة ـ وإلى حين إشعار آخر ـ قوة عدوانية ثابتة العداء للعالم العربي والإسلامي.
لقد كان التعاون الإيراني مع الحملة الأميركية لغزو أفغانستان وإسقاط نظام طالبان عاملاً حاسماً في إنجاح الحملة. فقد قدمت السلطات الإيرانية إلى إدارة بوش كنزاً من المعلومات الاستخباراتية بشأن الأوضاع الداخلية في أفغانستان.
وعبر الحدود الإيرانية الطويلة مع أفغانستان أمدت القوات المسلحة الإيرانية الميليشيات القبلية في الشمال الأفغاني بدعم لوجستي، ونعلم أن هذه الميليشيات هي التي اعتمدت عليها الحملة الأميركية في معارك القتال البري. بل أعطت السلطات الإيرانية تعهدات للإدارة الأميركية بأن تتغاضى عن أي خرق للأجواء الإيرانية بوساطة الطائرات الحربية الأميركية.
وبالطبع نستطيع أن نتصور مدى خيبة الأمل التي أصابت المسؤولين الإيرانيين بعد وضع اسم إيران في «محور الشر».
وبطبيعة الحال، تحولت خيبة الأمل إلى غضب بعد أن اكتشف القادة الإيرانيون مدى ارتهان السياسات الأميركية الدولية إلى استراتيجية الحركة الصهيونية العالمية.. هذا الارتهان الذي يفسر لماذا أصبحت إيران «جديرة» بأن تُوضع على القائمة الأميركية للدول «الراعية للإرهاب» بسبب دعم طهران للمقاومة اللبنانية المسلحة ضد إسرائيل وتأييدها للفصائل الفلسطينية المعارضة لنهج أوسلو.
ويفسر لنا أيضاً لماذا تتزعم الإدارة الأميركية حملة عالمية ضارية ضد البرنامج النووي الإيراني للحيلولة دون احتمال تملك إيران رادعاً نووياً يكسر الاحتكار الإسرائيلي للقوة النووية في منطقة الشرق الأوسط. الآن، ومع تصاعد الانتفاضة المسلحة لقوات طالبان بدعم من إيران، فإن الولايات المتحدة تدفع ثمن هذا الارتهان على حساب المصالح القومية للشعب الأميركي.