يعيش العالم منذ سنوات في حالة حرب شاملة، وصفت بأنها «حرب عالمية ضد الإرهاب»، أدت الأفعال وردود الأفعال في إطارها إلى غزو دول واحتلال أوطان وترويع مجتمعات بكاملها، وقتل بسببها الآلاف، وربما عشرات الآلاف، من المدنيين الأبرياء وفتحت سجون ومعتقلات كثيرة في مختلف أنحاء العالم، وانتهكت حقوق الإنسان وكرامته ولم تعد لسيادة الدول حرمة أو حصانة.

معظم حكومات العالم انخرطت، برضاها أو مكرهة، في هذه الحرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، كما انخرط فيها كتاب وكتبة، مثقفون ومتثاقفون، إعلاميون وأشباههم، بينما على الجبهة المقابلة اندفع، أو دفع، العديد من التنظيمات والجماعات والأسماء المعروفة وغير المعروفة، ووضع الكثير من الهيئات والجمعيات وحتى الأفراد العاديين ضمن «قوائم الإرهاب» في العديد من دول العالم.

مرت حرب الإرهاب (أو على الإرهاب) بمخاض طويل من الجدل غير المجدي والتفسيرات الملتبسة أحيانا والمتناقضة في معظم الأحيان، قبل أن تعلن انطلاقتها «الرسمية» عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ورغم كل هذه السنوات الطوال، من حيث أعداد الضحايا من البشر وحجم الخسائر الاقتصادية والأضرار المادية والمعنوية على كافة المستويات، لا يزال السؤال الجوهري قائما دون إجابة: ما هو الإرهاب ومن هم الإرهابيون؟

ومن هذا السؤال وحوله تتولد أسئلة أخرى وعلامات استفهام كثيرة، من نوع: على أي أساس وبأي فهم يمكن بناء تعريف جامع مانع للإرهاب وتحديد الإرهابيين؟ وما هي الجهة أو الجهات المؤهلة والقادرة على وضع مثل هذا التعريف؟

ومتى تكون المطالبة بالحقوق والدفاع عن النفس إرهابا؟ وهل يختلف تصنيف العمل إرهابيا باختلاف مرتكبيه؟ وهل العمل الإرهابي الخارج على القوانين والأعراف الدولية والإنسانية يبرر الرد بإرهاب مضاد، مماثل أو أشد قسوة، ينافي هذه القوانين والأعراف؟

وهل الدول والحكومات التي ارتضت أن تكون جزءا من المجتمع الدولي، وبالتالي ملزمة بقوانينه وشرائعه، يحق لها التخلي عن التزاماتها القانونية والشرعية لمجرد أن جماعات معينة أو أفرادا لم يلتزموا بهذه القوانين التي ربما لا يعترفون بها أصلاً ولا يؤمنون بشرعيتها؟

ثم ما هي الجهة المخولة بتطبيق القانون الدولي على المستوى العالمي؟ وهل يحق فرض القانون لأي جهة تمتلك القوة وان افتقدت الشرعية أم أن تطبيق القانون يجب أن يكون في إطار الشرعية التي يفترض أن المجتمع الدولي كله خاضع لها؟!

كل هذه الأسئلة، وغيرها، ما زالت معلقة دون إجابات وافية شافية، ويبدو أنها ستبقى كذلك في المدى المنظور على الأقل، ما دامت موازين القوة، لا معايير الحق والعدل، هي التي تحكم الواقع الدولي الراهن وتحدد اتجاهاته.

لقد سبق لدول وجهات عربية ودولية عديدة، وقبل أحداث 11 سبتمبر بسنوات عدة، أن طالبت بعقد مؤتمر دولي لتحديد مفهوم الإرهاب وتعريفه، لكن مطالبها لم تجد استجابة من القوى الدولية المهيمنة التي تدعي اليوم زعامة «الحرب على الإرهاب»!

فالأمم المتحدة التي يفترض أن تكون حاضنة الشرعية الدولية وحاميتها، يبدو أنها قد تخلت عن دورها أو أن هذا الدور أفرغ من محتواه، بحيث لم يعد يصدر عنها إلا ما يخدم سياسة أميركا أو يجاريها في أحسن الأحوال.

بينما اختفت، أو كادت، أدوار القوى الدولية الأخرى والمنظمات الإقليمية التي كان لها حضور واضح في صناعة القرار الدولي خلال مراحل سابقة، مثل حركة عدم الانحياز التي تعد لعقد قمتها الرابعة عشرة في كوبا بعد غد، لكن حالتها الصحية لا تختلف كثيرا عن حال الرئيس كاسترو الذي يعاني من الشيخوخة وأمراض أخرى.

وحتى القرار الأخير الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام، وقيل انه صدر «بالإجماع»، لم يأت بأي جديد على هذا الصعيد إذ لم يخرج عن نمطية الإدانة المتكررة للإرهاب، دون تحديد ماهيته!

وفي ظل هذا الغموض المتعمد حول مفهوم الإرهاب وتعريفه، يبدو الثابت الوحيد الواضح حتى الآن أن «الحرب على الإرهاب» موجهة في الأساس، وحصريا في الغالب، ضد عنصر محدد هو العنصر العربي ودين بعينه هو الإسلام!

إن استمرار الوضع على هذا الحال من اختلال المفاهيم والمعايير السياسية والأخلاقية، هو الخطر الحقيقي الذي يهدد الإنسانية كلها بمزيد من الفوضى والصراعات التي قد تعيدها أحقابا إلى الوراء أكثر عنفا ودموية مما شهدته حقبة «القرون الوسطى» من حروب ومجاعات ودمار شامل.

وسيكون الأمل بعالم آمن ومستقر ضئيلا، ويتضاءل باطراد، ما لم يتم رد الاعتبار الفعلي لما أرسته الديانات المعتبرة من أسس أخلاقية، وتوصلت إليه البشرية عبر خبراتها المتراكمة من مواثيق ومعاهدات لحماية حقوق الإنسان وضمان العدالة والمساواة بين جميع الأمم والشعوب، وصولا إلى ديمقراطية حقيقية في العلاقات الدولية وعلى المستوى العالمي.