كيف يتغير العالم؟سؤال شغل رجال السياسة والمؤرخين وأساتذة فلسفة التاريخ طويلا وقبل هؤلاء جميعا صناع القرار ومع ظهور الدولة القومية المركزية في العصر الحديث كانت مهتمة بشدة بالسيطرة على عوامل التغير لضمان أقصى درجات التحكم الممكنة في المستقبل.
ودائما كان العامل السكاني (الديموغرافي) من العوامل الرئيسية في سيناريوهات المستقبل الافتراضية رغم أن فترة التنافس الاستعماري منحت الموارد الطبيعية أهمية ومركزية سرعان ما تبين أنها مبالغ فيها، ويعد القرن العشرون العصر الذهبي للمالتوسية هذه النظرية التي حاول واضعها أن يحدد العامل الأكثر تأثيرا في مستقبل الأمم وهو التزايد السكاني الذي كان حسب نظريته يسير في اتجاه مضاد لمعدل نمو الموارد الطبيعية.
من الطبيعي إلى الإنساني
وقد كانت المالتوسية حتى وقت قريب تبدو غير قابلة للنقاش وساعد على اتساع نطاق من ينطلقون منها في رؤيتهم السياسية والاقتصادية للمستقبل الانتشار الكبير لقيم اللذة والفردية في الغرب وقلة الإقبال على الزواج وتكوين الأسر والإنجاب وترافق ذلك مع النجاح الكبير للاقتصاديات الرأسمالية الغربية حتى ظن كثيرون أن الارتباط ارتباط سببي وأن التقدم الاقتصادي يستدعي بالضرورة السيطرة على معدل زيادة السكان، وهكذا.
وقبل أن ينقضي القرن العشرون كانت الأوضاع الديموغرافية تتقدم بين أولويات العالم الأكثر تقدما مترافقة مع تحذيرات من وصول دول أوروبية بسبب نمط الحياة الغربي والعزوف عن الزواج والإنجاب إلى حالة العجز عن تجديد وفياتها بحيث أصبحت تتناقص وظهرت مفاهيم جديدة وسياسات جديدة فحل مصطلح مثل «الثبات السكاني» محل صيحات التخويف من الانفجار السكاني وأصبح الإنجاب مرغوبا فيه بل رصدت لأجله مكافآت سخية في الميزانيات الرسمية.
بل إن العالم الذي بدا بعد قليل من الحرب العالمية الثانية «شابا» أصبح في نهاية القرن العشرين مهددا بأن يصبح «مسنا» وأصبحت نسبة المسنين في المجتمعات الأكثر تقدما مشكلة معقدة ففضلا عن التأثيرات الاجتماعية والتكلفة العالية للرعاية الصحية أخذت المشكلة منحى جديدا عندما اختل التوازن بين عدد المسنين وعدد العاملين حيث يحتاج الاستمرار في دفع معاشات التقاعد في بلد مثل فرنسا وجود أكثر من اثنين يعملان والحال قريب من ذلك في ألمانيا.
وقد تبلور التأثير الخطير لهذا الخلل في المظاهرات الصاخبة التي شهدتها فرنسا عام 2003 بسبب قانون جديد يقلص امتيازات العاملين ليمكن الدولة من الاستمرار في دفع معاشات المتقاعدين وفي ألمانيا ساهمت المشكلة بنصيب وافر في الفشل الانتخابي الذي مني به المستشار جيرهارد شرودر في ألمانيا.
ديموغرافيا تغير الجغرافيا
ومع انتشار نمط الحياة الغربي في أقصى الشرق بدأت مجتمعات غير غربية تعاني الأزمة نفسها، ففي اليابان هناك انشغال كبير بظاهرة جديدة حيث قرى تشيخ وتختفي من الوجود ويتحدث اليابانيون حاليا بانزعاج عن سكان قرية «أوغاما» المسنون الذين قرروا الرحيل وبيع القرية لشركة نفايات بسبب تقلص عدد سكانها إلى ثمانية مسنين رأوا أنهم لن يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم الحالية فاتفقوا على حل راديكالي هو بيع كل القرية لتصبح مدفنا للنفايات!
الحادثة هي الأولى من نوعها في التاريخ الياباني التي يضطر فيها مواطنون لإخلاء قريتهم طوعا وقد دق هذا الحادث جرس إنذار لهذه المشكلة التي تواجهها اليابان وتتمثل في كونها أكثر بلد في العالم يضم نسبة عالية من السكان المسنين وبدأت تشهد انخفاضا في عدد السكان، العام الماضي، لأول مرة في تاريخها. وأصبح الريف الياباني وبشكل متزايد خاليا من السكان، وهناك مخاوف من أن الكثير من القرى مثل أوغاما ستختفي قريباً.
وفي اليابان هناك كثير من التجمعات السكانية التي يسميها الأكاديميون قرى بلغت حدودها وهو وصف للتجمعات التي يبلغ عدد المسنين فيها أكثر من نصف تعداد السكان. ومن بين 140 قرية في المقاطعة التي تضم قرية أوغاما هناك 40% لا تتجاوز البيوت المأهولة فيها 10 عائلات وغالبية الناس فيها من كبار السن.
أما في قلعة الشيوعية فإن المشكلة أكبر حيث طبق الصينيون منذ ثلاثين عاما سياسة صارمة لا تسمح للأسرة إلا بإنجاب طفل واحد للسيطرة على النمو السكاني الكبير غير عابئين بالأثر على البعيد وكانت المعادلة المالتوسية البسيطة تقوم على إنجاب أقل ونمو اقتصادي أكبر فاختل التوازن الجيلي في المجتمع.
وحديثا أطلقت الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية صيحة تحذير مدوية من تأثيرات هذا الاختلال، ففي «الكتاب الأخضر للسكان والأيدي العاملة» نبوءة علمية تشير إلى أن الصين بعد خمسين عاما سيكون فيها مئة مليون من المسنين وفي الوقت نفسه ستعاني الصين شحة في الأيدي العاملة الشابة.
وحسب الإحصاءات الواردة في الكتاب فإن المجتمع الصيني دخل عام 2000 مرحلة الشيخوخة بنسبة مسنين وصلت إلى 6 % ممن تجاوزت أعمارهم 65 عاما وقد يصل عددهم حسب أكثر الاحتمالات تشاؤما 400 مليون مسن عام 2020 وتتوقع الأكاديمية أن تبدأ الأزمة من العام 2016 عندما تبدأ قوة القادرين على العمل في التناقص العددي، وما يضاعف القلق أن الأيدي العاملة الرخيصة كانت أهم عوامل الطفرة الاقتصادية الصينية.
العبث بالتوازنات الكونية
لقد كانت الخطيئة التي انطوت عليها السياسات السكانية الحديثة وأنماط التغير الاجتماعي التي ارتبطت بالتقدم الصناعي هي العبث بالتوازنات الكونية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون وللأسف الشديد فإن النزوع المادي في الفكر الغربي جعل الاهتمام بما هو مادي يفوق الاهتمام بما هو إنساني فكان هناك دائما اهتمام بمدى وفرة الموارد الطبيعية على حساب الموارد البشرية وهو ما يعكسه الاهتمام بالتوازن البيئي على حساب التوازن السكاني والاكتفاء بالأرقام دون دلالاتها.
وكما أن «الأنانية القومية» كانت وقود الصراع الاستعماري بين القوى الأوروبية الكبرى للاستئثار بالنصيب الأكبر من كعكة الموارد الطبيعية فإن «الأنانية الفردية» كانت وقود النهم الاستهلاكي الذي جعل كل جيل يفكر في الاستئثار بأكبر قدر ممكن من المتع كما لو كان هو «الجيل الأخير» في البشرية فكان العزوف عن الإنجاب هربا من تبعاته الاجتماعية والاقتصادية ثم العزوف عن الزواج نفسه وإطلاق العنان للمتعة بعيدا عن أي إحساس بالمسؤولية.
وهو ما تحول من مشكلة ثقافية واختيار اجتماعي إلى مأزق اقتصادي بل الرئيس الروسي بوتين يرى أن المشكلة الديموغرافية في روسيا تهدد الأمن القومي! وفي مجتمعات قامت على التعددية كالولايات المتحدة الأميركية فإن الهجرة تجدد شباب المجتمع باستمرار أما في شرق آسيا حيث الغرباء مختلفون مرفوضون بقوة فإن المشكلة أكثر عمقا وحدة.
كاتب مصري
