رغم أن الناس يأتون بممثليهم للمجالس المنتخبة إلا أنهم لا يبرحون الشكوى من أداء بعضهم أو جلهم وعن تناسيهم لناخبيهم بمجرد وصولهم لكرسي النيابة. وفي هذا الإطار فإننا لا نستطيع أن نساوي بين أداء البرلمانيين من حيث الكيف والكم، كالالتزام بالحضور والتحضير أو قوة الطرح والقدرة على المتابعة.

فمن الأعضاء الذين يتسم أداؤه بالقوة والنزاهة والنزوع نحو تحقيق المصلحة العامة وبين أولئك الذين ارتضوا الطائفة أو العائلة أو الجيرة ولربما القرية مجالا لأفقه وبالتالي عمله البرلماني والسياسي. وبين آخرين لم نسمع عن أصواتهم إلا في الصحافة.

بل لم نسمع عنهم من قبل إلا لماما، وبين آخرين كان الصمت الدامس، لصيق أدائهم طيلة أربع من السنوات مرت من عمرنا وعمر الوطن وعمر المجلس. وبدت الصحافة بالنسبة للبعض مجالا لعرض العضلات والمبارزات مقابل بعض آخر كان أداؤه ولربما وصوله إلى المجلس أقرب إلى قصص الخيال أو لنقل كان أداء البعض أقرب لأداء بعض الشخصيات في المسلسلات الكرتونية المعروفة.

ومع انفضاض المجلس بدأ بعض من هؤلاء يحضر نفسه لجولة جديدة قد لا تكون مسألة الوصول لعضوية المجلس القادم سهلة المنال كما كانت في الجولة السابقة، رغم بعض المتغيرات التي دبت على أرض الواقع. بل بات التبسط المخل ومحاولة الوصول للناس من قبل بعضهم محاولة أخيرة للوصول لهذا المقعد الذي نعم فيه البعض بمغانم شخصية كانت لأخطاء البعض الآخر وسوء تقديرهم سببا في هذا الوصول.

وينقسم أعضاء المجلس إلى كتل وتجمعات وأفراد، بعض هذه الكتل تاريخية الحضور في المجتمع والعمل السياسي كاليسار وحركة الإخوان المسلمين وبعضها الأخر جديدا في العمل البرلماني والسياسي كالسلف والمستقلين والإسلامية الشيعية.

وبعض هذه التجمعات بدت نشأتها لشغل حاجة أو لمواجهة تكتلات أخرى اتخذت في الغالب أبعادا طائفية، بل ان أطروحات بعض من أعضائها المنفلتين عن السياق لا تخلوا من طرح طائفي مشين تغذيه نوازع ما قبل حضارية ولربما ارث تاريخي أو ما قبل تاريخي سهل استحضاره في أوقات الأزمات.

فأبطال اليوم حتى يكونوا كذلك لا بد لهم من التسلح بأنياب مذهبية ونزعات طائفية، وهي آفة للأسف الشديد، لم تسلم منها حتى بعض الرموز والشخصيات اليسارية السابقة أو الليبرالية المعاصرة.

فقد ظلت قوة الانتماء لهذه التضامنيات تقوى على أي تغيير حداثوي رغم مرور عمليات التحديث والتغيير على الجزيرة الصغيرة للبحرين ما يفوق بعض الشيء قرنا من الزمان والذي جاء مع افتتاح أول مدرسة ومستشفى حديث على يد الإرسالية الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر.

بل بقي التفسير أو التعليل الطائفي والمذهبي هو التحليل والتعليل الأقرب والأسهل للاستحضار عند عدد كبير من الناس بمستوياتهم الاجتماعية والسياسية ولربما الوظيفية المختلفة، يغذيه في ذلك ما يمكن أن يسمى بمتغير طائفة- فوبيا ومتغيرات إقليمية مختلفة بدا الاحتلال الأميركي للعراق محركا لها.

ويقف بين هذه الكتل نفر من الأعضاء أطلق على نفسه صفة المستقل. وهؤلاء يتوزعون بين أفراد هم في الأصل منسلخون تنظيميا أو اسميا عن تنظيماتهم الأم، كالقول مثلا بالسلفي أو الإخواني أو اليساري المستقل، وبين كتلة هي أكبر الكتل أطلقت على نفسها بالكتلة المستقلة: وهي في واقع أمرها تجمع يبدو هلامي الموقف السياسي والفكري ولربما المجتمعي.

وهو في واقع أمره تجمع يبحث عن سياق أيديولوجي وإطار تنظيمي؛ فهو في واقع حاله افتراق عن الليبرالية وتوق للإسلاموية. وهو تكتل اتصف عادة بمواقفه الآخذة بالموقف الرسمي بل أحيانا أخرى بدت متطابقة في أطروحتها ومقترحاتها مع أطروحات ومقترحات الكتل والتنظيمات الإسلامية الأخرى المختلفة التسميات والمتنازعة المواقف ولربما الأطروحات: بين تشدد ديني إلى تطرف مذهبي وإلى موقف إنساني وثقافي بدا أقل ما قد يقال عنه أنه يتسم بالضيق والرفض للأخر المختلف اثنيا وفكريا ودينيا ومذهبيا.

وبدا الوطن في أطروحات أغلب الكتل غائبا أمام الأطروحات ال ما قبل حداثية بل ال ما قبل التشكل المديني. وبدت نزعات هؤلاء تتجه نحو خدمة الدوائر والتنظيمات الأقرب لها. فهي في العادة تبدأ بالتنظيم أو المنظمة السياسية التي ينتمي إليها الفرد/العضو ثم العائلة والأقارب ومن ثمة الطائفة والجيرة والشلة والأصحاب، ولربما نسي أو تناسى بعض أو جل هؤلاء في غمرة هذه الفورة أن هناك وطنا ومواطنة.

وأن لكل ذلك عليهم حقا يسبق أي حق أخر ذاتي. فبدا الوطن في هذه الغمرة هو الغائب الأكبر في حين بدا الفرد/ العضو أو بعضهم هو الرابح الأكبر أو لنقل أن من دخل التجربة بدا فيها هذا الدخول ذو مغانم ومناعم وحظوظ أوفر. في حين بدا الخاسر الأكبر هو من هجر التجربة.

حيث بدا هجرانه لها هو الآخر ذو مغانم ومكاسب جاءت على البعض في لحظة تاريخية حرجة بدت قراءات البعض لها مغرقة في الأيديولوجيا وبعيدة عن اللحظة ذاتها، فكانت الخسارة مضاعفة وبدا أداء معظم هؤلاء ضعيفا ومهلهلا ومتسما بكونه أداء اللحظة.

بمعنى أن معطيات اللحظة كانت المحرك والمولد لأنشطة أغلب الكتل البرلمانية من تشريعات وقوانين ومقترحات. لذا أضاف هذا الأداء إطارا مقيدا للحراك المجتمعي بمفهومه العام: الاقتصادي والسياسي والثقافي. بل إنه أداء الكتل الأكثر تأثيرا بدا متجها بوعي كبير نحو ما قد يسمى بمحاولة تديين الدولة من خلال مصفوفة قوانينه ومقترحاته المجيرة لذلك.