بعد فترة عصيبة من المراوحة والتأزيم، الذي لامس تخوم الانفجار توصل الرئيس محمود عباس مع رئيس الحكومة إسماعيل هنية إلى اتفاق من شأنه أن يفتح صفحة جديدة وواعدة؛ في الوضع الفلسطيني بموجبه صار مطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية، قاب قوسين.

وهذا بحد ذاته، عندما يتحقق، هو بمثابة انجاز وطني؛ في هذه اللحظة من تاريخ القضية الفلسطينية. فالتوافق الذي حصل حول برنامج الحكومة العتيدة المرتقبة ولادتها قريباً، يجعل الساحة الفلسطينية تتخفف من أعباء ومعاناة تسببت في زيادة نزفها وإنهاكها، أمنياً وسياسياً واجتماعياً، وبصورة كان لها انعكاساتها السلبية على إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

فبسبب الانقسامات وحلول التوتر في العلاقات مكان التفاهم على الحد الأدنى والقواسم المشتركة؛ غرقت هذه الساحة ولفترة غير قصيرة، بالصراع على السلطة بدلاً من الالتفات إلى مقتضيات المواجهة مع المحتل.

وبلغت الخصومة أحياناً حدود الاحتكاكات العسكرية المفتوحة على اشتباك أهلي. كما غرقت الساحة بفوضى السلاح وانفلاته، لتعزيز مراكز القوى وتصفية الحسابات. زاد الطين بلة أنه بعد الانتخابات باتت هذه الساحة خاضعة لقرارين؛ مع كل ما رافق ذلك من تضارب وبالتالي من تجميد أدى إلى المزيد من الاشكالات والمتاعب.. كما تعرضت، منذ ذلك الحين لحصار جائر، سياسي ومالي؛ فضلاً عن رفع الاحتلال الإسرائيلي لوتيرة عدوانه على الشعب الفلسطيني ومؤسساته، مع كل ما نتج عن ذلك من حالات اختناق أمني ومعيشي.

التوافق على البرنامج الحكومي ـ الذي كان بالإمكان بلوغه من زمان ـ الذي يمهد لمجيء الحكومة الموعودة؛ من شأنه، إذا سارت الأمور في مجراها الطبيعي؛ أن يؤدي إلى الخروج من حالة الضيق هذه، على الأقل إلى الخروج من حالة الحصار والمعاناة اليومية.

كما من شأنه أن يرمي الكرة مجدداً في الملعب الإسرائيلي واستطراداً الأميركي وحتى إذا لم يؤت ذلك ثماره ـ وعلى الأرجح لن يؤتي لأن إسرائيل لا ينضب مخزونها من الخبث وفبركة الذرائع والعراقيل للتملص ونسف أية احتمالات للسلام ـ فإنه من المتوقع، بالأحرى المفروض، أن تقود المشاركة في الحكم إلى لملمة الوضع الفلسطيني المشرذم وضبط فوضاه بحيث على الأقل يتوقف نزفه الداخلي المجاني؛ السياسي منه والأمني.

ويبدأ بتصويب جهوده في الاتجاه المطلوب، ويأتي هذا التطور في لحظة مواتية ـ ربما كانت هي من بين العوامل التي ساهمت في إنضاج طبخته ـ تمنحه المزيد من الزخم، فقد سبقه تحرك أوروبي نحو «إحياء» عملية السلام .

كما سبقته «المبادرة العربية» التي تقرر حملها إلى الأمم المتحدة والتي تطالب مجلس الأمن بوضع آلية جديدة ترمي إلى تحقيق «سلام شامل» في المنطقة؛ خلال فترة زمنية «محددة». هذا الحراك من شأن الاتفاق الفلسطيني أن يرفده بالصدقية والجدية وأن يقطع الطريق على النفاق الإسرائيلي، الذي طالما زعم بأنه يفتقر إلى طرف فلسطيني للتفاوض معه.

الاتفاق على البرنامج بحاجة إلى ترجمة من خلال الإجماع على تشكيلة حكومية تمثل الوحدة الوطنية وبالسرعة الممكنة، فمبادرات إحياء عملية السلام في طريقها إلى الأمم المتحدة مع افتتاح الدورة العادية لجمعيتها العمومية، بعد أيام، وعلى الوضع الفلسطيني التعامل معها بصوت واحد وموقف واحد.