عاد السجال الى لبنان وكأننا في 11 يوليو 2006، لم تندلع حرب ولم ينزح مليون لبناني ويهاجر ربع مليون، ولم تُدمَّر مئة وسبعة جسور ويسقط ألف ومئة شهيد ولم يُدمَّر الإقتصاد اللبناني، ونرزح تحت خسائر تقديراتها الأولية أربعة مليارات دولار.

عاد السجال الى لبنان كأن شيئاً من هذا لم يحصل، فهل هذا معقول? مَن فقد أباً أو أماً او عائلةً، يسأل: أمِن أجل أن تعودوا الى السجال سقط مَن سقط. ومَن خسر معملاً أو شركة أو منزلاً يطرح السؤال عينه، فهل هذا معقول? كأن السياسيين عندنا تعاطوا مع الحرب وكأنها هدنة (قسرية) بين جولتَين من السجالات والمناكفات، وكأنهم كانوا ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء هذه الهدنة ليعودوا الى (حرب السجالات).

فهل هذا معقول? لماذا السجال حول الحكومة طالما الجميع يُدرِك أنها باقية وطالما ما زالت تحوز ثقة مجلس النواب? لماذا السجال حول المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي، طالما ان انشاءها اصبح مسألة وقت يُقاس بالأسابيع القليلة وليس بالشهور? ولماذا السجال حول قوات الطوارئ الدولية المعزّزة طالما ان هذه القوات وصلت وباشرت عملها وفق بنود القرار 1701?

لو لم تندلع هذه الحرب لكان السجال مبرَّراً وأحياناً مطلوباً لأنه يُضفي حيوية على الحياة السياسية. أما وإن الحرب قد اندلعت وخلّفت ما خلّفته من خراب ودمار وخسائر، فإن السجال يبدو ممنوعاً لأنه يتم فوق رؤوس الضحايا وعلى أنقاض ما تهدَّم.

ان المتساجلين يقومون بهذا الضجيج ليخُفوا وراءه عدم القدرة عن تقديم يد العون لمن هو متضرِّر. لكن الناس يعرفون كلَّ شيء لأنهم (أكلوا العصي) ولم يكتفوا بِعَدِّها، كما السياسيين. ولأنهم كذلك فإن كثيراً من الأمور لم تعد تنطلي عليهم.

كلامٌ بالأطنان فيما الخسائر بالمليارات. فهل تُحجَب المساعدات المطلوبة بالمزيد من الكلام? لقد أصبحت اللعبة مكشوفة، فهل من مجال لتبديلها?