باسم «الحرية» قام جورج بوش بتدشين «الحرب على الإرهاب». ولكن بدا في الوهلة الأولى أنها حرب مصممة لسلب الشعوب حقها في الحرية ابتداء من الشعب الأميركي نفسه.
بعد أيام قلائل فقط أعلن الرئيس الأميركي: «لقد دخلنا نوعاً جديداً من الحرب ضد أناس يكرهون الحرية». وقال أيضاً: «نحن نقاتل من أجل الحرية»، ولكن سرعان ما انطلقت الإدارة الأميركية في أعقاب تفجيرات سبتمبر في نيويورك وواشنطن نحو إصدار تشريعات قمعية باسم «الحرب على الإرهاب» و«حماية شعبها».
باكورة هذه التشريعات «قانون المواطنة» الذي يجيز للسلطات الأمنية اعتقال أي شخص واحتجازه لأمد طويل دون توجيه اتهام محدد إليه، وبموجب هذا القانون وقوانين لاحقة جرى توسيع صلاحيات السلطات الأمنية للتجسس على المواطنين الأميركيين، والأجانب أيضاً بالطبع.
لمدى السنوات الخمس الأخيرة تمارس الأجهزة الأمنية عمليات تجسس على المكالمات الهاتفية الشخصية وتتطلع على رسائل البريد الالكتروني، بل أيضاً كشوفات الحسابات المصرفية والسجلات الطبية للأفراد دون الحاجة إلى الحصول على ترخيص قضائي. وفي الوقت نفسه، وفي خرق واضح للقانون، أصدر الرئيس بوش أمراً سرياً إلى الأجهزة الأمنية يسمح لها بمراقبة أشخاص من وراء ظهر الجهاز القضائي.
وعندما انتقد بعض القانونيين هذا الأمر فإن الرئيس برره بأن حالة الحرب تسمح له بالتصرف كقائد أعلى للقوات المسلحة.. وهي حجة لا تختلف جوهريا عن ذريعة «قانون الطوارئ» التي يتذرع بها رؤساء الأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث لتبرير القمع المنهجي للخصوم السياسيين.
وهكذا وبموجب قوانين وأوامر قمعية جرى ويجري اعتقال الآلاف من الأجانب وغالبيتهم من المسلمين المقيمين على الأراضي الأميركية واحتجازهم دون توجيه اتهامات إليهم ولمدى شهور. وفي الوقت نفسه جرى ويجري استدعاء عشرات الآلاف للاستجواب. ومع ذلك لم تعثر السلطات الأمنية من بينهم على «إرهابي» واحد رغم أن أعداداً كبيرة منهم أبعدوا عن الولايات المتحدة.
في هذه الأثناء فتح معسكر غوانتانامو ـ الأول من نوعه في العصر الحديث ـ ليكون أكبر رمز حي لنوعية «القيم الديمقراطية» و «سيادة القانون» كما يراها فريق «المحافظين الجدد» في إدارة بوش. لقد أرادوا ببساطة من وراء اختيار معتقل للأجانب خارج الأراضي الأميركية أن يكون المعتقل خارج نطاق السلطة القضائية في الولايات المتحدة.
هناك في غوانتانامو يقبع مئات منذ عام 2001 معزولين عن الدنيا ليس فقط دون توجيه اتهامات محددة إليهم بل أيضا دون التمكن من الاتصال بمحامٍ أو محكمة، وبلا أمل في الحصول على إفراج خلال أمد زمني معلوم أو متوقع.
وفي الوقت نفسه بدأت ظاهرة المعتقلات الأميركية السرية في دول أخرى. ومغزى السرية هنا هو ألا يعرف العالم ما يجري للمعتقلين من عمليات تعذيب بدني وسيكولوجي.
ومع أخذ هذه الممارسات الإجرامية في الاعتبار فإن قادة «الحرب الأميركية على الإرهاب» وفي مقدمتهم جورج بوش لا يكفون عن التبشير بحماية الحرية داخل الولايات المتحدة ونشر الديمقراطية خارجها.
يقول أحد دعاة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة ـ مايكل إغناتيف ـ «إن الرد على الإرهاب وليس الإرهاب نفسه هو الذي يلحق بالديمقراطية أعظم ضرر».