منذ سنوات، وبالتحديد منذ إخفاق مفاوضات كامب ديفيد2 (يوليو 2000)، واندلاع الانتفاضة بعدها (أواخر سبتمبر 2000)، لم يتبق من اتفاق أوسلو الشهير، والموقّع في البيت الأبيض الأميركي (13 سبتمبر 1993) أي شيء، فقد دفنت إسرائيل هذا الاتفاق، حينا بدعوى أن ليس ثمة شريك فلسطيني!

وحينا آخر بسبب خلافاتها الداخلية، وفي أحيان كثيرة بسبب سعيها المحموم لتطويع الفلسطينيين لاملاءاتها السياسية المجحفة، عبر البطش بهم وإضعاف كيانهم.

فيما بعد جاءت خطة «خريطة الطريق» (أبريل 2003)، التي قدمتها اللجنة الرباعية، بمثابة شهادة وفاة لاتفاق أوسلو العتيد، الذي قيل فيه وعنه الشيء الكثير، إسرائيليا وفلسطينيا وعربيا ودوليا.

وكما هو معروف فإن اتفاق أوسلو للتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كان خطوة التفافية على عملية المفاوضات التي انطلقت من مؤتمر مدريد (1991)، بدفع من المتغيرات الدولية والإقليمية، المتمثلة بانهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية، والتي نجم عنها هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي وتفكك النظام الإقليمي العربي.

والذي قاد بدوره إلى انحسار مناخات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وطبيعي في مثل هذه الظروف أن يأتي اتفاق «أوسلو» على غاية في الإجحاف بالنسبة للفلسطينيين، إذ عقد في ظروف غير متكافئة وبلغة الإملاء، حيث ابتغت منه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، آنذاك، تحقيق عدة أغراض، أهمها:

أولا، تعويم دورها وهي التي كانت مهددة بالشطب، وذلك عبر إيجاد موقع لها في المفاوضات، بعد أن جرى استبعاد أية مكانة مباشرة لها في مفاوضات مدريد.

ثانيا، إيجاد مكان للشعب الفلسطيني في خريطة الشرق الأوسط الجديد، في إطار المتغيرات الدولية والإقليمية الحاصلة في التسعينات.

ثالثا، إيجاد موطئ قدم للشعب الفلسطيني في أرضه، بعد أن اقتنعت هذه القيادة بأن بقاء الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج بات غير مجد بل ومكلف.

أما من جهتها فإن إسرائيل ابتغت من هذا الاتفاق فرض املاءاتها على الفلسطينيين وقيادتهم، في محاولة منها لاستغلال عامل الوقت، وقدرتها على تغيير الوقائع على الأرض، مستغلة في ذلك المتغيرات الدولية والإقليمية الحاصلة، التي اعتبرتها فرصة سانحة لفرض شروطها.

هكذا جاء هذا الاتفاق بصيغة مطاطة غامضة، فهو، مثلا، لم يبتّ بمسألة عدم شرعية الاستيطان، ولم يعرّف أراضي الضفة والقطاع باعتبارها أراضي محتلة، ولم يصدر عنه شيء يوضّح ماهية التسوية أو المآل النهائي لها، ولم يستند إلى أية مرجعية دولية أو قانونية.

وباختصار فإن هذا الاتفاق ترك كل شيء للمفاوضات التي تجري بين الطرفين المعنيين حصرا، بمعنى أنه، من الناحية العملية، ترك الأمر بيد إسرائيل، في ظل موازين قوى ومعطيات دولية وإقليمية غير مؤاتية بالمطلق بالنسبة للفلسطينيين.

أيضا، منذ البداية كان واضحا أنه ثمة قراءات إسرائيلية مختلفة لاتفاق أوسلو، فبينما رأى حزب العمل في التخلّص من الاحتلال فرصة لإسرائيل تحرّرها من الخطر الديمغرافي الفلسطيني وتحسّن صورتها الخارجية وتعزز هويتها اليهودية ونظامها الديمقراطي في إطار السعي لمواكبة مسارات العولمة بالتركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا، بدلا من الجغرافيا.

ومسايرة الترتيبات الأميركية في المنطقة وتطبيع العلاقات مع المحيط العربي، رأى حزب الليكود والقوى المتطرفة، في هذا الاتفاق كارثة قد تقود إلى إضعاف مكانة إسرائيل دوليا وإقليميا، وإلى تقويض الفكرة الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي، وفتح المجال لخلق مسار من التهديد والقضم التدريجي لإسرائيل يبدأ بقيام دولة للفلسطينيين.

أما الأمر على الساحة الفلسطينية فلم يكن أحسن حالا، إذ أن القيادة الفلسطينية كانت ترى في الاتفاق فرصة لحل وسط يمكن البناء عليه، ولكن مراهنتها كانت مغامرة وخائبة، كما ثبت.

وكانت النتيجة أن الإسرائيليين استطاعوا فرض شروطهم مقابل تعويمهم للقيادة الفلسطينية، التي كانت تعاني من الحصار المالي والسياسي، وهكذا تم اعتبار الأرض الفلسطينية المحتلة مجرد أراض متنازع عليها وتم القبول ببدعة المرحلة الانتقالية والتوافق على تجاوز قضايا الاستيطان والقدس واللاجئين، والأهم أن القيادة الفلسطينية وافقت على التسوية مع الإسرائيليين من دون تحديد مآلها النهائي ومن دون أية ضمانات، وهذه الثغرات هي التي كانت مقتل الاتفاق.

على ذلك فقد كان من الطبيعي أن ترى المعارضة الفلسطينية في هذا الاتفاق سابقة خطيرة وإجحافا بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وفي العودة إلى وطنه، وقد عمّدت المعارضة موقفها هذا بالتشكيك بصدقية إسرائيل .

مؤكدة أن هذا الاتفاق لن يكتب له النجاح، وكانت المعارضة الأكثر فعالية لهذا الاتفاق هي التي تمثلت بحركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية.

ومع ذلك فإننا، إذا بحثنا بنصيب كل من المعارضتين الإسرائيلية والفلسطينية بإسقاط اتفاق أوسلو، كل بحسب مقاصده، فسنجد أن المعارضة الإسرائيلية هي التي لعبت الدور الأكبر والحاسم في هذا المجال لا سيما.

وأنها قادت إسرائيل مرتين (في ظل حكومتي نتانياهو وشارون)، مرورا باغتيال رابين (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق على يد يهودي متطرف؛ هذا من دون أن نقلل من أهمية دور حكومات حزب العمل بإضعاف صدقية هذا الاتفاق وتوليد خيبات الأمل لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلك دور القيادة الفلسطينية التي لم تنجح تماما في إدارة عملية التسوية ولا في بناء الكيان الفلسطيني، كما لم توفق، أيضا، في إدارة الانتفاضة.

على ذلك فمن البديهي أن تكون محصلة مسيرة أوسلو جد مخيبة للآمال لدى الطرفين، الذين انتقلا، بعد سنوات قليلة، من حلبة المفاوضات إلى حلبة المعارك، ومن التعايش إلى الصراع الدامي، ومن القبول المتبادل إلى النفي المتبادل. وفي هذه المسيرة تبادل الطرفان الاتهامات عن المسؤولية عن تدهور الأوضاع بينهما وعن انهيار مسار التسوية.

أما بالنسبة لخريطة الطريق فقد تم التحايل عليها منذ البداية، حيث وضعت حكومة شارون (حينها) عديد من التحفظات والاشتراطات بشأنها، ثم قامت بخطوة التفافية عليها، حين أعلن شارون خطته للانسحاب الأحادي من قطاع غزة (وأربع مستوطنات من الضفة)، وهي الخطة التي تم تنفيذها في أواخر 2005.

ومن رحم هذه الخطة انبثقت خطة «الانطواء»، التي طرحها ايهود اولمرت زعيم «كاديما»، ورئيس الحكومة الإسرائيلية، وهي تتضمن الانسحاب من أجزاء واسعة من الضفة الغربية، خلف الجدار الفاصل، مع الإبقاء على الكتل الاستيطانية الكبرى. والراجح أن هذه الخطة ستنام في الأدراج إثر التداعيات الحاصلة في قطاع غزة (بعد الانسحاب الأحادي)، وإثر حرب لبنان (يوليو 2006).

وللإنصاف ينبغي القول بأن القيادة الفلسطينية قدمت كل ما عندها في مجال التسوية مع الإسرائيليين، وفي محاولاتها بناء جسور الثقة معهم، وذلك بغض النظر عن طريقة إدارتها للسلطة، وكذا بعض الاختراقات التي حصلت بفعل بعض النشاطات التي قامت بها الفصائل الفلسطينية المعارضة للتسوية.

ويستنتج من ذلك أن مسؤولية الفلسطينيين عن فشل عملية التسوية لا ترقى إلى حجم المسؤولية التي تقع على عاتق إسرائيل، فالادعاء بفساد السلطة وتقلباتها، واختراقات المعارضة الفلسطينية، لا تصل إلى حجم الخروقات الإسرائيلية، وشتان بين عمل فصائل معارضة، تتمتع بقدرات محدودة، وبين انتهاج إسرائيل لسياسة الاستيطان وإرهاب الدولة ضد الفلسطينيين.

وفي الواقع فإن إسرائيل، هي التي تملك أوراق الحل والربط بوصفها السلطة المحتلة، وهي التي عملت على التملص من الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية، سواء في ظل حكومات العمل أو الليكود، وهي التي ينبغي أن تحاسب على ذلك.

فهل تنجح الجهود الدولية والإقليمية الراهنة، والمتعلقة بتفعيل عملية التسوية، بوضع حد لصلف إسرائيل وعنجهيتها بعد كل الذي حصل؟

كاتب فلسطينيلي