اتجهت الإدارة الأميركية منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 إلى رفع شعار محاربة الإرهاب، وتحميل الإسلام والمسلمين عامة المسؤولية الكاملة عن النشاطات الإرهابية الدولية، واتهام العديد من المنظمات الإسلامية الخيرية بدعم العمليات الإرهابية وتمويل الجماعات التي تمارس الإرهاب.
ومن أجل إضفاء شرعية دولية وقانونية على سياسات محاربة الإرهاب كما رسمتها أميركا وقامت بتطبيقها على أرض الواقع، قامت إدارة الرئيس بوش بإقناع غالبية الدول الأوروبية ومنظمة هيئة الأمم المتحدة بتبني نفس السياسات، والوقوف في الصف المعادي للعمليات الإرهابية والفكر الإسلامي السياسي بوجه عام.
وهذا دفع التحالف الغربي عامة إلى تصنيف بعض حركات المقاومة الوطنية المشروعة إلى منظمات إرهابية والعمل على عزلها سياسيا ودوليا، وحرمان الكثير من منظمات المجتمع المدني ذات الميول الإسلامية من جمع الأموال لممارسة نشاطاتها الخيرية.
إلى جانب ذلك، قامت أميركا وحلفاؤها في الحرب على الإرهاب بالضغط على الدول العربية والإسلامية وإجبار بعضها على الانضمام للحملة ضد الإرهاب، والعمل على تجفيف المصادر المالية للمنظمات الإسلامية.
لكن دول الغرب لم تحاول في أي وقت من الأوقات تحديد مفهوم واضح للإرهاب يجعل بالإمكان التفرقة بين العمليات الإرهابية غير المشروعة ضد الأبرياء وعمليات المقاومة الوطنية المشروعة ضد قوى الاحتلال والطغيان الأجنبية.
وفي الواقع، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتظهر أن الدول الغربية عامة، وأميركا خاصة، لم تكن معنية كثيرا بحق الشعوب المضطهدة في الحرية والتحرير ومقاومة قوى الاحتلال الأجنبية.
ولذلك اتجهت تلك الدول بقيادة أميركا إلى الخلط المتعمد بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، وذلك على ما يبدو من أجل تجريم وتحريم كل عمليات المقاومة المشروعة باعتبارها عمليات إرهابية.
وفي بداية الحملة العسكرية في الحرب على الإرهاب قامت أميركا بتوجيه التهم للعرب والمسلمين عامة بكراهية الغرب والعمل على تدمير حضارته وطريقة حياته، ورفع شعار «لماذا يكرهوننا» كجزء من حملة إعلامية ونفسية ضد العرب والمسلمين من ناحية، ومن أجل ضمان تأييد الرأي العام الغربي للحرب الأميركية من ناحية ثانية.
ولقد كان غزو أفغانستان بداية لحرب طويلة ومريرة ضد العرب والمسلمين، وذلك على الرغم من قيام الكثيرين منهم بإدانة العمليات الإرهابية التي وقعت في مدينتي نيويورك وواشنطن في سبتمبر عام 2001، واتجاههم إلى رفض فلسفة القاعدة وممارساتها على الأرض.
إن حملة أميركا على الإرهاب لم تتوقف عند حدود أفغانستان بل اتسعت لتشمل العراق الذي غزته أميركا في عام 2003 على الرغم من معارضة هيئة الأمم المتحدة ورفضها إضفاء شرعية دولية على العدوان.
ولقد جاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو الماضي لتكشف الوجه الحقيقي للخطط الأميركية المعادية لحرية الشعوب العربية والمناوئة لكل مفاهيم ومنظمات المقاومة الشعبية.
إن استمرار العدوان الأميركي على العرب والمسلمين وزيادة حدة العمليات العسكرية والجرائم الإنسانية والأخلاقية التي ارتكبت بحقهم في العراق وفلسطين ولبنان كان سببا في تصاعد موجة العداء لأميركا، سياسة وثقافة ومصالح.
وتنامي كراهية العرب والمسلمين عامة للسياسة الأميركية، ورفضهم لخططها واطماعها في المنطقة العربية. وعلى الرغم من قيام إدارة الرئيس بوش بحملة إعلامية ودبلوماسية مكثفة ومكلفة لتحسين صورة أميركا في البلاد العربية والإسلامية، إلا أن الجهود الأميركية باءت بالفشل، بل وساهمت أيضا في تعميق الشكوك في مصداقية بوش وعقلانية سياساته.
ومن العوامل التي ساهمت في تعميق تلك الشكوك، اتجاه الرئيس بوش إلى استخدام عبارات عدائية تفتقر إلى الذكاء والحساسية مثل عباراتي الحرب الصليبية والإسلام الفاشي، وتناقض أقواله مع أفعاله، وعدم التزامه بما يصدر عن إدارته ورجاله من تصريحات، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين وحقوق شعبها المحتل.
نتيجة لذلك زادت أعداد وحدة العمليات الإرهابية بدلا من أن تتراجع، وأصبح العراق، كما اعترفت الإدارة الأميركية نفسها، بؤرة إرهاب ومعسكرا لتدريب الإرهابيين، وعنوانا لكل من يرغب في الانضمام لصفوف القوى الملتزمة بمحاربة الاحتلال ومقاومة سياسة الهيمنة الأميركية.
ويمكن القول ان استمرار الحرب على العراق، وكشف العديد من الجرائم والأسرار المتعلقة بها كالتخطيط لغزو العراق قبل وقوع أحداث سبتمبر الإرهابية بسنوات والاعتراف بأن الرئيس العراقي السابق صدام حسين لم يكن على علاقة بتنظيم القاعدة، وتفاقم المجازر الإسرائيلية في فلسطين بدعم عسكري ودبلوماسي أميركي، وانحياز أميركا الكامل لحرب إسرائيل على لبنان، تعتبر أهم العوامل المسؤولة عن تعميق فجوة الشك والكراهية بين العرب والأميركيين.
وفي ضوء هذه التطورات لم يعد بالإمكان خلق قنوات حوار فعالة في مقدورها إعادة بناء جسور الثقة التي دمرتها إدارة الرئيس بوش بالكامل، مما ساهم في زيادة تعاطف الجماهير الإسلامية عامة والعربية خاصة مع المنظمات التي تعمل على نشر ثقافة المقاومة... مقاومة الهيمنة الأميركية، وسياسة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية، ومفاهيم العولمة الاقتصادية والثقافية.
وبسبب غياب القوى الشعبية القومية والديمقراطية المنظمة، وخضوع أنظمة الحكم العربية للضغوط الأميركية، وضعف منظمات المجتمع المدني والمثقفين عامة، فإن منظمات المقاومة الإسلامية التي تجسد الإسلام السياسي استولت على قيادة عمليات المقاومة، العسكرية منها وغير العسكرية.
وما أن بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان في شهر يوليو الماضي حتى قامت الكثير من الدول الأوروبية والعربية بتحميل حزب الله المسؤولية عن الحرب، والتحرك الواعي في اتجاه القضاء على ثقافة المقاومة حيث وجدت. لكن الشعوب المغلوبة على أمرها لم تجد في ضوء استمرار الظلم وسياسات الاستبداد الداخلية والخارجية بديلا للإسلام السياسي الذي يقول ببساطة: «الإسلام هو الحل».
وحيث ان نظم الحكم العربية لا تقوى على مواجهة التيارات الإسلامية خشية أن تتهم بمعاداة الإسلام، فإن غالبية تلك النظم اتجهت إلى منافسة المنظمات الإسلامية في قيادة عمليات التثقيف التي تقوم على الدين.
وهي عمليات لا يمكن التحكم في تبعاتها السياسية أو الاجتماعية. وهكذا تساهم أميركا في تعميق الكراهية المتبادلة بين العرب وأميركا، واتساع نفوذ المنظمات الإسلامية، وانتشار الفكر المتطرف.
Professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي