تنتشر في هذه الأيام ضد الأقليات المسلمة في أميركا وأوروبا الغربية أكثر أنواع النزعات الإنسانية بدائية وحماقة وتخلفاً، التمييز والإرهاب والحصار الاجتماعي.
كان من المفترض أن يتمتع أفراد الأقليات المسلمة في تلك الدول بكافة حقوق المواطنة نظراً لتواجد المسلمين في تلك البلاد منذ عقود طويلة من الزمن وحصولهم على جنسيات تلك الدول التي تتغنى بمبادئ حقوق الإنسان.
نزعة الحقد الأعمى هذه تدفع الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن لكي يوعز إلى الأجهزة الأميركية ذات اليد الطولى والسيطرة القوية عبر أنحاء العالم لقطع المساعدات حتى عن المدنيين الفلسطينيين الذين يعانون الأمرّين بسبب الحصار الأميركي ـ الإسرائيلي المفروض عليهم. المبرر المستعمل في الحصار هو أن حكومة حماس ذات فكر إسلامي راديكالي.
لا يعادي الإسلام وأهله الأديان والمعتقدات الأخرى واتباعها أفراداً وجماعات كبيرة وصغيرة وأقليات تعيش داخل أحياء المجتمع المسلم. يعترف الدين الإسلامي بالأديان الأخرى خاصة اليهودية والمسيحية وينظر إلى أتباعها على أنهم أصحاب كتب مقدسة تتمتع بمقدار كبير من الأهمية والمصداقية والاحترام والخواص والصفات المشتركة مع الدين الإسلامي الحنيف.
يستطيع المسلم العادي الاستشهاد بعدد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ومواقف وأعمال وسِيَر الصحابة الأوائل تدل كلها على عمق وقوة التسامح الفكري والديني مع الآخرين من أتباع العقائد الأخرى.
ومثل حال أي دين أو معتقد آخر هنالك نسبة صغيرة جداً من المتشددين الذين لم يساعدهم فكرهم في الوصول إلى الحد الأدنى من فهم قيمة التسامح مع الآخرين ولا حتى مع الذين من نفس ملتهم ومذهبهم ومدرستهم الفكرية الدينية؛ علماً بأنه حتى هذه الفئة الصغيرة لا تجاهر بالعداء لأحد طالما شعرت أن أحداً لا يهدد حريتها الدينية والفكرية.
انتشر الإسلام وينتشر وينمو عبر العالم عن طريق قوة المنطق والفكر والاعتقاد المبني على الكثير من البراهين والحجج المقنعة للعقل الإنساني. بتاتاً! لم ينتشر الإسلام بقوة السيف كما يزعم بعض المتطرفين من المستشرقين والذين عادة ما يبني عتاة الإعلام في العصر الحديث أفكارهم حول ما كتب هؤلاء افتراء عن الإسلام والمسلمين.
الإسلام بالإضافة إلى كونه دين منطق وفكر وإبداع وعلم وتطوير فهو دين الأخلاق الحميدة والمكرمات والتفاني والتسامح في سبيل إرضاء الخالق. إنه الدين الوحيد الذي يفضل أتباعه أن يكونوا مظلومين على أن يكونوا ظالمين متجبرين برقاب غيرهم.
كما هي حال الكثير من أهل الثقافات الأخرى. الإسلام هو الدين الوحيد الذي يساوي بين قتل النفس البريئة الواحدة وقتل العالم أجمع وبين إحيائها وإحياء الناس أجمع؛ في هذا الصدد يختلف الأمر عن ما يقوم به أفراد سلاح البحرية الأميركية من أعمال قتل وترويع ضد أطفال ونساء العراق وأفغانستان والجيش الإسرائيلي ضد كل من شعبي فلسطين ولبنان.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أوائل التسعينات بات الإسلام والمسلمون مرشحين لعداء القوى الغربية، تلك القوى التي ترى في الإسلام مصدر تهديد للديمقراطيات الغربية أو أنماط نظم الحكم فيها، بتعبير أصح. قد يكون هنالك في الأمر حقيقة، ذلك لأن في الإسلام نظام شورى إذا ما طُبّق وطُوّر فسيكون حقيقة عامل تحدى ومنافسة وتهديد لنظم الحكم الغربية التي لا تزال الديمقراطيات فيها رهينة بأيدي قلة من الأقوياء والأغنياء وجماعات الضغط المتحكمة بمصائر الغالبية من أبناء تلك الشعوب.
تمثل إسرائيل والدعاية الصهيونية المواكبة لإنشاء واستمرار الكيان الإسرائيلي رأس حربة الصراع العسكري والفكري والعقائدي والإعلامي الغربي ضد الإسلام والمسلمين.
بالذات تأخذ الإدارات الأميركية المتعاقبة وجهات النظر الإسرائيلية حول مختلف قضايا الشعوب العربية والإسلامية، وتعتبر ذلك جزءاً من المساهمة والتعاون للحفاظ على أمن إسرائيل ومصالح الغرب الحيوية. الإعلام الأميركي في مجمله موجه بطريقة مزعجة بل مؤلمة ضد كافة القضايا العربية والإسلامية، بشكل مباشر وغير مباشر.
أدت حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك إلى إحداث انشقاق وفجوة كبيرة بين المسلمين عبر العالم وبين بقية العالم وفي مقدمتهم العالم الغربي. لم يمض طويل وقت على وقوع تلك الحوادث حتى وجهت وسائل الإعلام الصهيو ـ أميركو ـ أوروبية أصابع الاتهام إلى كافة المسلمين وتبنّت ثلة من المسلمين تلك العمليات فيما بعد، لأسباب مثيرة للجدل.
لا تتردد وسائل الإعلام الغربية المحمومة ضد المسلمين في خلق صورة نمطية بائسة مشوهة للمسلمين، بطبيعة لحاهم وذقونهم ولون جلدتهم وتعدد أعراقهم، بأنهم أهل الدين الرئيسي بل الوحيد المفرّخ للإرهاب والإرهابيين. تغفل وسائل الإعلام تلك الحقيقة الساطعة وهي أن الدين الإسلامي هو أكثر الأديان استنكاراً للأعمال التي تقتل الأنفس البشرية.
اتسعت «ظاهرة أشرطة الفيديو» المسجلة والمنشورة عبر شبكة المعلومات والفضائيات المرموقة ومن ضمن تلك المواد المسجلة الكثير ممن لم يتم «التأكد من صحته من مصدر مستقل وذي مصداقية كافية»؛ فيها تتبنى مجموعات إسلامية أعمال العنف تلك الغاية في الوحشية والدموية.
في فلسطين ولبنان كما في العراق وأفغانستان ودول إسلامية أخرى أوسعت إسرائيل والولايات المتحدة شعوب تلك الدول إرهاباً وبكافة أنواع الأساليب العسكرية والنفسية والاقتصادية، في كل يوم وعلى مدار الساعة ولسنين طويلة من عمر الشعوب.
لا تشير وسائل الإعلام الأنجلو ـ صهيو ـ أميركية بأي شكل من الأشكال إلى الإرهاب اليهودي أو المسيحي!، في حين تقيم الدنيا ولا تقعدها على المسلمين والدين الإسلامي لدى تبني ذلك العمل الإرهابي مجموعة مكونة من عدد من الأفراد لا يتجاوزون في معظم الأحيان عدد أصابع اليد الواحدة!.
في السياق ذاته ولكن بشكل أكثر قِدماً ترفض الكنيسة الغربية الاعتذار عن الجرائم المرتكبة ضد المسلمين إبان الحروب الصليبية ضد شعوب الشرق كافة. حتى المؤسسات الإعلامية العربية والإسلامية تشير إلى الأعمال التي تقوم بها الدول الأخرى ضد الأقليات الإسلامية على أساس أنها شؤون داخلية لا يستطع أحد التدخل فيها. والحال هذه تبدو الحرب الإعلامية على الإسلام والمسلمين مثل طريق ذي اتجاه واحد.
باتت الصورة النمطية واضحة وتم تثبيتها وهي أن الإسلام والمسلمين هم أساس البلاء وما ظاهرة الإرهاب إلا إحدى نتائج تعاليم ذلك الدين الذي يحمله المسلمون!. توّج الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الحملة الإعلامية المحمومة على الإسلام والمسلمين حين أخرج مصطلح «الإسلام الفاشي» علناً إلى حيز الوجود في غمرة العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان.
خلاصة القول هي أن «الإسلاموفوبيا» أو مرض الخوف من الإسلام والمسلمين الذي يعتري شعوب العالم الآن مرده الدعاية والإعلام الصهيو ـ أنجلو ـ أميركي المحموم، وهو شبيه بنتيجة الصورة النمطية التي كانت تنشرها المؤسسات الأمنية والإعلامية الأميركية والجنوب أفريقية العنصرية والإسرائيلية عن المليونين في أميركا وجنوب أفريقيا العنصرية وعرب فلسطين، على التوالي، عن أن تلك الفئات البشرية مصادر تفريخ للمجرمين واللصوص وقطاع الطرق والإرهابيين.
يساهم بعض الجهلة في العالمين العربي والإسلامي في تغذية ظاهرة «الإسلاموفوبيا» حين يتبنون أو يباركون أعمالاً وحشية صرفة ضد المدنيين والمؤسسات والمرافق الحيوية ذات الطابع الحضاري والمدني والإنساني، والتي لا أحد من عامة البشر يعلم بالضبط من يقوم بتلك الأعمال ولصالح من؟!.
جامعة الإمارات