نفخر في اليمن بأننا اخترنا نهج الديمقراطية بمحض إرادتنا ولم يُفرض علينا من أحد، بعد أن وجدنا في هذا الخيار الوسيلة الحضارية الملبية لمتطلبات الاستقرار السياسي والتداول السلمي للسلطة، وغايات التطور والتحديث وتحقيق النهوض للوطن بعيداً عن عوامل الارتباك والارتياب والعشوائىة والاتكالية والجمود.

ولأننا من اختار ذلك النهج بقناعة وطنية ولم يُمل علينا من أية جهة، فإننا الذين استطعنا أن نبني أنموذجاً ديمقراطياً متميزاً في أهدافه ومقاصده وملامحه ومساراته، استحق إعجاب العالم.

وبكل تأكيد فإن ما تم إنجازه على هذا الصعيد يعد بكل المقاييس مكسباً لكل اليمنيين بمختلف انتماءاتهم الحزبية وتلاوينهم السياسية والفكرية، ومن يعتقد غير ذلك إنما هو الذي يفتقد للواقعية وأبسط قواعد المصداقية.

وإذا ما سلمنا بأن الديمقراطية أصبحت بالنسبة لنا الإطار الناظم لكل شؤون حياتنا، فإن من غير الصواب أن نجعل حمى التنافس الانتخابي تقودنا إلى تطويع الإنجاز الديمقراطي لحسابات سياسية وحزبية ضيقة تدفع به إلى خارج نطاقه الصحيح، خاصة وأن مثل هذا الجنوح لن ينتج عنه سوى الإضرار بنقاء التجربة الديمقراطية وإظهار مكوناتها على نحو مغاير لتلك الصورة التي ترسخت لدى الآخرين.

وبالتالي فليس من الحصافة السياسية أو الحزبية أن يتجه المتنافسون في العملية الانتخابية سواء منها المحلية أو الرئاسية إلى جعل مهرجاناتهم منابر للتنابز وتبادل الاتهامات، وإحياء بعض المصطلحات التي تغذي منابت الخصومة ونوازع العنف وتصوير الساحة السياسية في اليمن وكأنها من انفلت عقالها وأصبحت لا تحكمها أية ضوابط أو معايير قانونية، حيث وأن في ذلك إساءة بالغة لأنفسنا ولأحزابنا ولثقافة شعبنا وموروثه الحضاري.

وأيا كانت رهانات أطراف العملية التنافسية فليس هناك من مبرر واحد يعطي الحق لأي من هذه المصفوفة لاستغلال مناخات حرية الرأي والتعبير لتقييم الآخرين والإساءة إليهم وإطلاق الأحكام الجزافية بحقهم وتنصيب نفسه منظراً يعلمهم ما هو الصح وما هو الخطأ، حتى وإن أراد بذلك استقطاب تعاطف الجماهير أو كسب أصواتهم باعتبار أن مثل هذه السلوكيات تتعارض كلياً مع لب الديمقراطية التي ينبغي أن ينحصر فيها التنافس بالرؤى والبرامج وليس غير ذلك.

ونعتقد أنه قد حان الوقت لكي يطمئن الناخبون في بلادنا بأن الأحزاب التي تتنافس على نيل ثقتهم في صناديق الاقتراع، أن هذه الأحزاب أصبحت تستند في توجهاتها على أسس برامجية تلامس تطلعاتهم وطموحاتهم في الحاضر والمستقبل، وليست أحزاباً كل همها كيف تصل إلى السلطة أو أن تحقق مصالح نفعية لبعض قياداتها.

وعليه فلسنا بحاجة للقول بأن الحملة الانتخابية وما يسودها من خطاب استفزازي وتشنجي باتت تثير كثيراً من التساؤلات عمن المستفيد من وراء مثل هذا التصعيد الذي بات يولد حالة من الاحتقان، ولمصلحة من إرباك المشهد الانتخابي، خاصة ونحن نعلم بأن الهدف من وراء المهرجانات الانتخابية هو إبراز جوانب التمايز في البرامج والآليات وليس تشويه تجربتنا الديمقراطية من خلال ذلك الصخب والضجيج المفتعل الذي تشتعل فيه الحروب الكلامية، إما من قبيل المزايدة أو بدافع المكايدة السياسية مع أن مثل هذه المعارك لا يمكن أن تخدم أحداَ، بقدر ضررها البالغ على الوطن والمجتمع.

وما نرجوه هو أن يرتفع الجميع إلى مستوى هذا الاستحقاق الديمقراطي، وأن يتجهوا معاً لإنجاح الانتخابات القادمة في العشرين من سبتمبر الجاري لكونها مسؤولية وطنية لا يجوز بأي حال من الأحوال التهاون فيها، وليعلم كل هؤلاء بأن شعبنا لن يتسامح مع كل من يفرط بهذه المسؤولية، أو يتراخى حيالها.