باعة الأوهام وكتبة تزييف الوعي الذين فرضوا وصايتهم على الإعلام العربي لايزالون على مواقفهم ـ عنادا واستكبارا ـ في ان حزب الله لم يخطيء في خطفه للجنديين الإسرائيليين واصراره على عدم تسليمهما حتى بعد خراب لبنان.
وهم مازالوا يلتمسون لحزب الله في قراره الخاطيء الأعذار والمبررات رغم ما جره هذا القرار على لبنان من الويلات بل ويتمادون في مواقفهم ويتهمون من انتقد حزب الله منذ البداية ووصف قراره بالمغامرة غير المحسوبة بان هؤلاء عملاء ويخدمون المخطط الإسرائيلي ـ الأميركي.
الان ها هو السيد حسن نصر الله مفجر شرارة الحرب التي جلبت الكارثة على وطنه لبنان يعترف بعظمة لسانه ويقول صراحة انه اخطأ وانه لم يتوقع حجم رد الفعل الإسرائيلي الكبير ولو كان يعلم كل ذلك لما اقدم على فعلته قطعا حتى لو كان قرار الحرب متخذا من قبل إسرائيل في بداية اكتوبر.
هذا كلام عاقل يجب ان يثمن ويقدر لدى كل ذي ضمير حي حريص على مصالح بلاده وهو دليل دامغ يؤكد صحة توجهات من وصف عملية حزب الله بأنها مغامرة غير محسوبة وغير مسؤولة.
نعم اعترف السيد حسن نصر الله ولكن باعة الأوهام المتحكمين في الإعلام العربي لا يعترفون وعلى امتداد 50 عاماً يزيفون الوعي ويروجون للأوهام ويصورون الهزيمة نكسة أو نصراً ويبررون للاستبداد والقمع بتبريرات حماية الجبهة الداخلية ويمجدون زعماء مهزومين جروا الكوارث على بلادهم وشعوبهم بحجة أنهم أبطال قاوموا وناطحوا أميركا وإسرائيل!
هؤلاء الأوصياء المضللون الذين يتحكمون في المفاصل الرئيسة للمجتمعات العربية، إعلاماً وتعليماً وتثقيفاً وخطاباً دينياً هم المسؤولون عن خداع الجماهير وتزييف وعيها، لقد صنعوا الأزلام وشكلوا رأياً عاماً عاطفياً يؤمن بالخرافات والأوهام، يسهل قياده للمهالك بقرار من مغامر يعشق الزعامة والأضواء ـ أكدت دراسة صادرة من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر أن العرب ينفقون عشرة مليارات دولار سنوياً على التنجيم وأن 63% يؤمنون بالخرافات بينهم 11% من المثقفين والرياضيين والسياسيين.
ولذلك لا عجب من بروز نزعة تشاؤمية ـ مؤخراً ـ لدى عدد من الكتاب الإصلاحيين من أنه لا أمل في أي إصلاح ولا جدوى من الديمقراطية وحقوق الإنسان، كتب د. البغدادي مقالاً موجعاً وساخراً على شكل خطاب وجهه للرئيس الأميركي المعني بنشر الديمقراطية في العالم العربي. وقال فيه: «السيد الرئيس في صحراء هذا الشرق يوجد حيوان زاحف، يتجاوز عمره آلاف السنين، يُسمَّى «الضب» بشع المنظر، سميك الجلد وسريع الحركة، لعله الحيوان الوحيد ربما بعد التمساح الذي يجسِّد أسطورة الديناصورات المنقرضة، هو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، أتدري لماذا سيدي الرئيس؟
لا لشيء سوى أنه يعيش في الشرق، في الصحراء حيث شُحّ الماء وصعوبة الحياة والرمال الحارقة ولا شيء ينبت حوله، ومع كل هذه الصعوبات البيئية لا يزال يركض متحدياً القرون والتاريخ معاً! لست أدّعي أن الشرق قوي، بل بكل بساطة لديه (جينات) طبيعية لكل ما هو غير مفيد للإنسان، فهو يرفض الديمقراطية ويرتاح مع الاستبداد، يرفض المساواة، ويغرِّد مع الطبقية الاجتماعية، يرفض الإنسانية ويرتاح مع الطغيان، إنه بكل بساطة يرفض الحياة الطبيعية السوية» (السياسة الكويتية 7/8).
خطاب البغدادي للرئيس الأميركي يمثل قمة اليأس من تحقيق أي إصلاح في ظل المناخ العام المضلّل الذي يسيطر على العالم العربي ومجتمعاته، ويبدو أن كثيرين الآن أصبحوا يشاطرونه الرأي نفسه.
إذ كيف يمكن إجراء أي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو تعليمي أو تحقيق أهداف التنمية في المجتمع العربي ما دام أخطر قرار مصيري بيد رجل واحد وهو قرار الحرب، يتخذه مغامر عاشق للبطولات برأي منفرد لا يشاور أحداً وفضلاً عن ذلك لا يحاسبه أحد وهو لا يتحمل أية مسؤولية وطنية أو قومية أو أخلاقية أو دينية، ولا يخشى محاسبة الله ولا محاسبة الشعب.
مثل هذا الوضع الاستثنائي لا يوجد إلا عند العرب دون شعوب العالم ـ غنية أو فقيرة، متقدمة أو متخلفة ـ فتلك شعوب تحاسب قادتها ونحن وحدنا لا نحاسب من قادونا إلى الهزائم، بل إن النخبة المثقفة فينا تمجدهم وتبرر تصرفاتهم وقراراتهم الكارثية المميتة. فلا أمل للعرب في أي إصلاح ما لم يتجاوزوا هذا الوضع، عبدالناصر لا يزال يمجّد رغم قراراته الكارثية ومضى ولم يحاسبه أحد، والسيد نصر الله تسبب في حرب دمرت لبنان واعترف بخطئه ولم يحاسبه أحد حتى الآن!!
إن مغامرة حزب الله ليست مجرد خطأ بل هي خطيئة مميتة، فتدمير بلد وتشريد أهله ومقتل الآلاف وعودة الاحتلال تستوجب المحاسبة والمحاكمة وليس مجرد تفكيك الحزب ونزع سلاحه وتسريح ميلشياته وعزل أمينه، لقد دفع لبنان ثمناً رهيباً بسبب خطايا الآخرين لأنه سمح لفصيل سياسي ديني أن يمتلك سلاحاً استراتيجياً بحجة «المقاومة» فأصبح سلطة فوق السلطة ودولة فوق الدولة!!
يجب أن ينتهي هذا العبث وتبسط حكومة لبنان سيادتها كاملة في الجنوب حماية لأرضها وشعبها، نعم اعترف السيد حسن نصر الله بخطئه ولكنه لم يعتذر عن مقتل الآلاف والخراب والدمار والتشريد!! من يجرؤ على محاسبة حزب الله؟! اللبنانيون لا يستطيعون بسبب الطائفية البغيضة وبسبب سلاح حزب الله ولكن ألا يحق للعرب ولأهل الخليج بالذات أن يحاسبوا السيد حسن نصر الله؟!
أم ان على الخليج أن يدفع ويعمر ويدعم ثم تذهب الأموال هباء وضياعاً بسبب قرار غير مدروس وغير مدرك للعواقب.. ترى إلى متى يدفع الخليج ثمن أخطاء الآخرين ثم لا يكون من حقهم أن يتساءلوا أو يحاسبوا؟ أين يحصل هذا في غير أرض العرب؟!
كاتب قطري
