بدأت آلة العدوان الإسرائيلي الإجرامي، بالانحسار عن لبنان. قبل أيام قليلة تم رفع الحصار البحري والجوي، الذي فرضته تل أبيب عليه. وبعد أيام معدودة أيضاً، من المتوقع أن تغادر قوات الاحتلال أراضيه. وبذلك يدخل لبنان مرحلة جديدة، يطلق عليها «مرحلة الإعمار». وهي كما يبدو، من شقين: «إزالة آثار العدوان»، المادية ـ العمرانية والالتفات إلى معالجة المسائل الخلافية الداخلية.
الشق الأول مكلف ومن العيار الثقيل. لكن المساعدات والوعود ـ خاصة العربية ـ التي تدفقت تخفف من العبء وتمكن من النهوض به.
الشق الثاني، أو الإعمار السياسي، إذا صحّ التعبير، هو الأهم والأصعب. وعلى اللبنانيين أنفسهم أن ينهضوا به وحدهم؛ في آخر المطاف. وهنا التحدي الحقيقي الذي يواجههم. فالإعمار المدني، مسألة أرقام. أما الإعمار السياسي، فمسألة قرار. الأول الحاجة إليه ضرورية. أما الثاني فالحاجة إليه جوهرية.
همجية الحرب الإسرائيلية أنزلت بلبنان مقادير هائلة من الخراب والدمار، واستخدمت فيها أسلحة محظورة ومخالفة للقوانين والأعراف كافة. فظائعها وانتهاكاتها الفاجرة تشهد عليها. خلال العمليات وبعدها وبالتحديد بعد صدور القرار 1701. وقد لقي لبنان موجة تعاطف وتضامن جارفة معه. وفي ذلك ما يعينه على تجاوز المحنة وتخفيف المعاناة.
وإذ يبدأ اليوم بوضع نفسه على طريق التأهيل؛ فإن كل الأنظار مشدودة إلى ساحته السياسية الداخلية. صحيح إن هذه الأخيرة برهنت عن تماسك رائع خلال العدوان وأفشلت رهانات إسرائيل على تفجير فتنة أهلية فيها. لكن ليس سراً أنها كانت تشكو من حالة تصدّع وانقسام عميقين؛ لأسباب معروفة. ولهذا انعقد مؤتمر الحوار الوطني وتعددت اجتماعاته، على مدى شهور، من دون أن تتمكن من حسم القضايا الخلافية الأساسية كلها، ثم وقعت الحرب وتجمد الحوار، ليعود الفرقاء إلى السجال؛ بعد وقف إطلاق النار.
وإذا كان ذلك دليل عافية وحيوية في مثل هذه الحالة؛ إلا إنه كان من الملاحظ ارتفاع نبرته مؤخراً؛ بحيث بدا وكأنه لا يخلو من لغة التراشق. أو أنه يقترب شيئاً فشيئاً من هذه التخوم. وهو يتسارع في هذا الاتجاه لأنه يدور من بعيد لبعيد؛ مع كل ما قد يؤدي إليه ذلك من تراكم واحتقان محكومين بزيادة منسوب التوتر الداخلي. وهذا آخر ما يحتاجه لبنان في هذه المرحلة، فهو بالكاد بدأ يلملم أوضاعه.
والمهمة شائكة وشاقة. ولتيسير أمورها لابد من الإسراع في ترتيب شؤون البيت الداخلي، من خلال تعزيز القواسم المشتركة التي تطرحها وتتحدث عنها الأطراف كافة.
وفي هذا الصدد يعرف اللبنانيون تماماً أن طاولة الحوار التي سبق وارتضوا الجلوس حولها وحدهم هذه المرة هي المكان المناسب للسجال وطرح الخلافات والحوار بشأنها. وحتى ولو كانت الحصيلة شحيحة، فهي على الأقل تلجم الاحتقان وتساعد في بناء جسور الثقة، ولو ببطء.فأهم انتصار حققه لبنان في الحرب الأخيرة الجائرة عليه، يتمثل في مستوى التضامن الداخلي الذي شهده.
كان ذلك بمثابة الهزيمة الكبرى التي ألحقها بالعدوانية الإسرائيلية. وإذا كان ذلك قد جعله مع الصمود الميداني جديراً بالاعتزاز، فإنه حري به أن يكلل هذا الإنجاز بالتوافق السياسي المطلوب ليكتمل الإعمار اللبناني من جوانبه كافة.