القرار التوتيري الأخير الذي اتخذه، ومن جانب واحد، رئيس البرلمان في إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، والقاضي بإنزال علم العراق الموحد، والاستعاضة عنه بعلم إقليم كردستان، خطوة سلبية جداً تصب في سياقات تقسيم العراق وإحلال منطق المشروع الأميركي للحرب منذ هبوط قوات المارينز ونزولها أرض الرافدين.
فالقرار الأخير للسيد مسعود البرزاني، ينسف أولاً مشروع المصالحة الوطنية العراقية، وهو المشروع الذي مازال رجراجاً، كما أنه في حد ذاته كفيل بتفجير فتنة إقليمية واسعة، في مساسه بدول المنطقة ووحدة ترابها الوطني. كما يأتي في ظل سيناريوهات متعددة ترسم مستقبل العراق من الوجهة الأميركية.
فضلاً عن توسيعه لهوة التباينات بين مكونات الخارطة السياسية العراقية، خصوصاً وأن الاجتماعات التوحيدية العراقية مازالت عاجزة عن الإقلاع في ظل قوانين العزل والإقصاء لشرائح واسعة من المجتمع العراقي، وهي عملية تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق السياسي.
ومن المؤسف بأن القرار يأتي أيضاً في مجرى الخطط التي وضعت للعراق، منذ ما قبل الاحتلال وبعده، من خطط تقسيمية، تبدأ بتفكيك عرى الأخوة العربية ـ الكردية، وفي إقامة دولة كردستان الكبرى، التي تتكون من كردستان الجنوبية في مناطق أكراد العراق، وكردستان الشمالية في مناطق أكراد تركيا، وكردستان الشرقية في مناطق أكراد إيران، وكردستان الغربية، التي تقع ضمن المناطق التي تتميز بتواجد كردي في سوريا.
وهذا التحول في الحالة الكردية في الشمال العراقي، وتزايد الدعوات والإجراءات الانفصالية، جاء بالضرورة وليداً ظافراً في سياق عملية عسكرية استعمارية شنتها قوات «التحالف» خارج إطار مجلس الأمن ذاته، نتيجة إحلال منطق القوة في العلاقات الدولية وما جلبه من تهميش لمنظمة الأمم المتحدة.
والمأساة في التحول الحادث في الحالة الكردية يتمثل في عودة تكرار المكرر، ووقوع الشعب الكردي في بوتقة الاستخدام مرة جديدة على يد القوى الكبرى بعد سلسلة من النكبات التي حلت به في عموم مناطق كردستان التاريخية. فالقضية الكردية تكاد تكون من أكثر القضايا المأزومة التي طالما وضعت في إطار استخدامي على يد القوى الكبرى والقوى الإقليمية في المنطقة.
وكأن الشعب الكردي قد وقع بأسره تحت لعنة الجغرافيا بينما وقع في حقيقة الأمر ضحية أخطاء القيادات التي قادته من هزيمة إلى هزيمة وجعلت منه شعباً مفتتاً.
وزاد من معانات الشعب الكردي مجموع الأخطاء السياسية على المستويين التكتيكي والاستراتيجي التي حكمت تاريخياً سلوك قياداته التي ابتلي بها وتحديداً في مناطق شمال العراق حين بادرت القوى التقليدية إلى شق التحالف التاريخي والإخوة العربية ـ الكردية فارتمت في أحضان المشاريع المعادية لوحدة العراق أولاً.
والمعادية ثانياً لوحدة المصير المشترك الذي يجمع العرب والكرد في سياق نسيج يكاد يكون واحداً، وطغى على سلوكها السياسي نمط التقلب والتحالفات الخارجية غير النزيهة، وبالتالي دفعت بأخطائها السياسية مجموع الأكراد شمال العراق إلى أتون حروب الانتحار بديلاً عن خط العمل من أجل الحقوق القومية للأكراد في إطار عراق موحد.
إن انشقاق القيادة الكردية العراقية وسيرها على طريق الانفصال سيخلق بالضرورة بيئة جيوبوليتيكية معادية للشعب الكردي من قبل كل شعوب المنطقة. وسيؤدي إلى استنزاف أية جهود لبناء استراتيجية وطنية كردية تجمع وتعيد بناء الأخوة التاريخية والوئام التام كما كان على مر الدهور والأيام بين الأكراد والعرب، وباقي الأقليات القومية في العراق.
وهي حقيقة محزنة ستجعل من الشعب الكردي ضحية وعرضة للاستغلال من قبل القوى الدولية الكبرى، ودولة الاحتلال الإسرائيلي التي تعمل وتنشط أجهزتها الأمنية على الخط ذاته لتفتيت العراق وإشعال الحروب الداخلية الأهلية فوق أرضه.
إن الولايات المتحدة التي سعت لتشكيل ائتلاف دولي من أجل الحرب على العراق عملت جاهدة لتطويع الحالة الكردية الموجودة شمال العراق، ودفعها عضوياً إلى قلب العملية السياسية من الوجهة الأميركية، وبالتالي إدخالها في صلب المشروع الذي يستهدف العراق بأسره كما يستهدف المنطقة تحت عناوين مزورة.
وفي اللحظة المصيرية الراهنة التي يعيش فيها العراق وشعبه بمختلف قومياته من عرب وأكراد وآشور وتركمان محنة قاسية، يترتب على القيادات الكردية أن تعي دروس التاريخ القريب، وعليها أن تغادر سراب وأوهام الخلاص على يد «الحرية المستوردة».
فوحدة العراق وشعبه، ومصالح الأكراد منه على وجه الخصوص تتطلب رفض التوظيف الأميركي لجهد وتضحيات أكراد العراق، ومغادرة سياسة التعويل على العامل الخارجي لبعض أقسام معارضات الأمس العراقية أن كانت كردية أو عربية.
ختاماً، يمكن القول بأن قرار مسعود البرزاني بإسدال وإنزال علم العراق الموحد، والاستعاضة عنه بعلم إقليم كردستان، يقع في خانة الأخطاء التكتيكية التي ربما تقود إلى كوارث استراتيجية، تجعل من الشعب الكردي ضحية على مذبحها، خاصة وأن الرئيس العراقي / الكردي الأصل جلال الطالباني لم يحرك ساكناً أمام قرار رئيس برلمان إقليم كردستان.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
